RR

الحِفظ والصون

 

كنتُ من المعجبين القلائل بكتابه وقت صدوره، أحمل نسخه كهدايا لكل مَن أقابلهم. هو شاعر نزوله وسط البلد يعد من الأمور النادرة، وأنا كواحد من رادارات مثقفي مقاهي وبارات وسط البلد، لم ألمحه حتى في أقلها شهرة وانزواءً.

 

--<>--<>--<>--<>--<>--<>--


وذات ليلة، رأيتُ شاعري المفضل يجلس وحيدًا على مقهى صغير نواحي المنيل يتمتع بإطلالة على النيل. ينظر نحو النهر ويتأمّله، ويحرّك بصره بين رواد هذا المقهى الصغير الذي تشكّل — بشكل غير قانوني — من نصبة شاي، منقد فحم، دكتين خشبيتين متقابلتين. صاحب المقهى حارسُ عمارة مهجورة قرّر تقليب رزقه، وجعل مشروبات مجالسيه وأنفاسهم مقابل جنيهات قليلة. وعندما يأتي المساء، يسرّب لمجالسيه زجاجات بيرة يحفظها بثلاجة في مدخل العمارة، ويبصم أحجار الشيشة بالحشيش، مستغلاً الانفلات الأمني المصاحب لأيام الثورة المجيدة. 

وبهذه الغرزة — وهذا هو التعبير الأنسب عن المكان حين يأتي المساء — تعرّفتُ على شاعري المفضل. 

سألته إذا كان صاحب ديوان «تسقط شرطة اللغة»، فارتبك، ونظر إلي طويلاً. ربما تخوّف أن أكون مخبراً سأقبض عليه لتعاطيه المخدر في الشارع. لكنه طلب مني تكرار السؤال، وحين سمعه جيداً، فهم إني مجرد قارئ، لأن المخبر ليس عليه معرفة المنجز الأدبي لمَن يشتبه فيهم، أو قلما يعرفه. أخبرني بكل هذه الهواجس بعد تعارفنا بدقائق. وهكذا في أول جلسة لي مع شاعري المفضل، لم نتحدّث عن أدبه، أو رغبتي في إجراء حوار صحفي معه، بل ضحكنا وحشّشنا في غرزة تطلُّ على النيل.

وُصف «تسقط شرطة اللغة» بأهم كتاب أول لصاحبه، وهذا الوصف لم أكن أنا صاحبه، بل نُشر على مدونة تنقّب بين الكتب بإخلاص عن المقتطفات الجميلة، وتقدّمها بعبارات قوية وملزمة مثل: «ديوان يمكن وضعه في مصاف بواكير محمد حسين هيكل وعباس أحمد وعادل كامل من مصر، ومحمد شكري من المغرب». وصاحبة هذه المدونة لعبت — بالنسبة لي — دور رادار الكتابات الجيدة وقتها. أحببتُ تدويناتها رغم سذاجة الأوصاف، فلا علاقة لشاعري المفضل بأصحاب البواكير، بل هؤلاء لم يتوقّفوا عن الكتابة بعد العمل الأول، كما لم يكن أي منهم بشاعر. وإذا حضرت صاحبة المدونة معنا إلى الغرزة لن تكتب عن شاعري المفضل مثل هذا الوصف، وإنما ستخبر الناس عن براعته في رصّ حجر معسل مُطعّم بالحشيش، أو قدرته على وصف النيل وعشاقه بأسلوب ساخر يفطّس مُجالسه من الضحك. 

ورغم سذاجة اعتباره مثل هيكل وأحمد وكامل وشكري، ظلّ شاعري المفضل أسيراً للباكورة، ولم يكرّر تجربة النشر. وحين دبّرتُ، في الغرزة، لقاءً يجمع شاعري المفضل بالمدوِّنة، بعدما أسست دار نشر صغيرة تُعنى بنشر الأدب، عرضت عليه إعادة طبع «تسقط شرطة اللغة» في دارها، وهو رفض تمامًا. وبرّر ذلك بأنه لم يعد يرى فيه شعراً، ثم سحب نفساً عميقاً من الشيشة، حبسه، أفلته، وأخبرنا أن الشعر لم يأت بعد، وهو يجاهد حاليًا لالتقاطه. 

كثرت النميمة بشأنه لعزوفه عن النشر، وقيل إن ديوانه مثل بيضة الديك، وهذا الديك — يقصد هؤلاء الأوغادُ صاحبي — مشغولٌ عن الإنجاز الأدبي بتعاطي الكيف. 

لم أرَ شاعري المفضل ديكاً، بل فناناً مهووساً بالكمال. ولم أعتبر «تسقط شرطة اللغة» بيضة، بل باكورة ستليها أعمالٌ أعظم، لكن المسألة تتطلّب وقتاً أطول، وقتلَ نصوصٍ أكثر، حتى يقدّم زهرة الزهرة، وينشر خلاصة اللوز.

وفي جلسات الكيف، التي ستتحوّل إلى مناسبة متكررة دون انتظام، واظبتُ على مطاردة شاعري المفضل بالاستفسار عن أخبار الكتابة.

 

--<>--<>--<>--<>--<>--<>--

Mae Anna Chokr, Fruit of Life (100x100)
Mae Anna Chokr, Fruit of Life (100x100)

إذا أتى بصنف جديد في جلسة كيف، يحكي عن طُرق إنتاجه وانتشاره حتى وصوله بين أيادينا، مستنتجاً من الحكاية أن طبيعة الإنسان لا تتوقّف عن إبداع ما يعالج خوفه ويقرّبه من السعادة، لأن الحياة بائسة والنفس البشرية محدودة. رأيته سندباداً يرتحلُ ليعود بصنوف جديدة من المكيفات وأسرار صنعها. تعاطينا بالنسبة له تجربة، والواحد منا عينة اختبار لملاحظة كيف يتأثّر الدماغ. شاعري المفضل مقتنع أن كل صنف جديد لم يُوجد إلا لغرض، مثل توليده شعور مختلف، أو تحفيزه لمواد الدماغ بمعدلات أكبر عن غيره من المخدرات. يقارن الصنف الجديد بمؤثرات صنوف أخرى جربناها سوياً. مصادره كثيرة، بل عنده دراية بما يُدرج في جدول المخدرات من أدوية وتشتدّ الرقابة على صرفه من الصيدليات، كل طارئ على الجدول يكون لديه علم به قبل حدوثه. يخزّن كمية منه، قبل أن يشحّ ويزيد سعره. وبنفس المهارة، يعرف ما لم يُنتبه إليه بعد من أدوية ولا يزال متداولاً دون قيود، وكذلك ما يتداول خارج منظومة الصحة سواءً في الدولايب الشعبية أو بين الطبقات الأعلى.

إذا حكى يختم حكايته بتعبير جميل: «كنتُ أعزل بالكامل»، مُستدركًا كأن ذلك يمثّل إضافة: «غير مُسلّح». وهذا الإطناب يقصد به عدم تدخينه ما يُسلّح كيفه ضد العالم المتوحش، لكونه مثلنا جميعًا يعتبر الكيف سلاحاً، يمدّ حامله، أي متعاطيه بالجرأة والإقدام. فكّرت أن حكاياته، سواء كان مسلحاً أو أعزل، ستكون قصائد جميلة إن كُتبت، وهذه الفكرة ولّدت سؤالاً سخيفاً: ناوي تكتب؟

ادّعى عدم سماع السؤال وتابع الحكي. جاريتُه منصتاً للحكاية، فهي حلوة فعلًا. وما أن صمت، قلت إنها حكاية كلها عِبر صحيح. بل فيها شعر لا بد أن يُكتب.

ودعوة مثل هذه تؤدي إلى انقطاع جلسات التسلح لفترة، وتقديم حجج كاذبة مثل انشغاله بظروف العمل والتزامات البيت. يغطس شهوراً، وحين يسوقه الشوق إلى هفهفة صنف جديد، نتواصل ونلتقي. وبدلاً من الانسطال مع نسائم دخان البانجو أو الحشيش، تهزّ أعصابنا رجّات الفودو، وهي النعمة التي لن تدومَ لنا، بل سيحلّ محلها الاستروكس الشعبي البغيض مع الأسف. 

وخلال جلسة تسلّح بعد هدنة تسبّب فيها سؤالي عن الكتابة، اقترحتُ عليه تسجيل ما يقوله بينما نتكيّف. لكنه تخوّف من تسرب هذه التسجيلات، أو أن تكون مادةً خاماً لحوار معه أرسله لإحدى المجلات دون علمه. عاتبته على نسيان أننا من أول لقاء دفنا فكرة الحوار معاً، وبدل التحاور حششنا، ولا نزال نتكيف، ونتحاور لزوم التكيف. استعدتُ ثقته فيّ وصدق أن غرضي من التسجيل صيد لحظة الإلهام، ليس أكثر. لكنه استغرب قلقي وهوّن منه، وقال إن الكتابة في الحفظ والصون، وأشار إلى رأسه، وأشفقتُ على الشعر الحبيس في رأسه لما يتعرّض له يومياً من قصف يشمل مختلف أنواع المكيفات. 

ومن هذه الجلسة، صارت «في الحفظ والصون» لازمة لا ينطق غيرها كلما سألتُه عن الكتابة.

 

--<>--<>--<>--<>--<>--<>--


كنّا ندور في فلك أكل العيش بحثاً عن الرزق، ومن فضالة مصاريف البيت نقتطع ما يُمكن التكيف به. وكل فترة تحدث تحولاتٌ في سياسات التسلح بقيادة شاعري المفضل، لكننا لم نتوّرط كثيرًا في ما يُحقن أو يُستنشق خوفًا من إدمان جماله، وكل منا له بيت وأسرة وأشغال. 

يعمل شاعري المفضل ورفيق التسلح في مجال لم أفهمه جيداً، لكني حين أسمعه يحكي عمّا يحدث في شغله أشعر إني في حضرة الشعر، فلديه قدرة مميزة على وصف الأشياء بطريقة مُرتبة ومؤثرة وملهمة. وحين أشجّعه على كتابة ما يقول، يحدّثني بأن الشعر في الحفظ والصون، لا يحتاج إلّا أن نبخّره، مشيراً إلى رغبته في المزيد من الكيف.

Mae Anna Chokr, Reflection (100x100)
Mae Anna Chokr, Reflection (100x100)

--<>--<>--<>--<>--<>--<>--


ذات جلسة، وكنّا قد سهرنا حتى شروق الصباح، لمحتُ هدهداً ينقر عشب الأرض بمنقاره بحثاً عن الدود. وجدتُ شاعري المفضل سارحاً مع كل نقرة، تأمّلته هو، لا الهدهد، وسحابة من الدخان تظلّل رأسينا. 

وبعد تأمل طويل، تحدّث شاعري، توقّعت أن يستشفّ من منظر الهدهد ما يربطه بنظيره الذي أتى لسليمان بنبأ سبأ، لكنه حدّثني عن الطائر الناقر أمامنا:

الهدهد

   نزيه وإن أكل الدود.

تأمّله فترة، وبعدها نطق:

نزيه

     النقرة تدبّ مطرح ما تحبّ.

صمت شاعري المفضل، وسرح.

 … وعند الطيران تتدلّى من منقاره قصيدة.

قال شاعري المُفضل، وسحب مني السيجارة.

 

--<>--<>--<>--<>--<>--<>--


ذات جلسة، حكى عن سحبه الدخان من لمبة. وجدتها صورة شعرية جميلة، كيف يتكثّف دخان في كرة زجاجية، وتخيّلتُ بهلواناً يحرّك ثلاث لمبات بكفيه مثل حركات السيرك الشهيرة. ثم سحبني شاعري المفضل من خيلاتي، وقال إن الشبو يُدخَّن هكذا، يتكاثف دخان المخدر في الكرة الزجاجية، ثم يُسحب منها.

كأن الكيفَ نورٌ… تخيّل، قال شاعري المفضل، وما كنت أتخيّله أن ذلك ليس إلا الشعر في أنقى صوره، ولا بد من كتابته الآن. لكن لساني لم يطاوع خيالي، ونطق بعكس خاطري: بلاش تخيّل، خلينا نجرّب. فوجدته يخرج لمبة من معطفه كساحر.

 

--<>--<>--<>--<>--<>--<>--


كلما سألته عن الهدهد، يتعجّب من سؤالي. وإن ذكّرته بالعبارات التي حفظتها، يتعجّب ويسأل عن مصدرها. لم يصدّق، أكّد عدم تذكره قول أي كلام عن هدهد، ولا رؤيته في أي جلسة تسلح.

 

--<>--<>--<>--<>--<>--<>--


قدمتُ له كراسة، بعدما سطّرت فيها شعره عن الهدهد، نظر إلى الأبيات وعلق: خطك جميل. 

شعرك أجمل، لكنه لم يعلق إلا بكلمة: عجيبة. ثم أنكر مجدداً أن يكون صاحب هذا الكلام. 

تركت الكراسة، وأخبرته أن عليه نقل الشعر إليها، لأن الشعر ليس في الحفظ والصون كما يظنّ. توقّعت غضبه، وبالفعل انقطعنا عن اللقاء شهوراً. وفجأة اتصل بي، ونقل لي خبر وفاة شاعر كنّا نحبّه ونقرأ له في جلسات تسلحنا، ودعاني لجلسة جديدة. وبحضور جلال الموت وأثر الفقد، منعتُ نفسي من سؤاله عن الشعر وكراسه. وألزمت نفسي بعدم سؤاله جلسة وراء جلسة.

 

--<>--<>--<>--<>--<>--<>--


وفي مرة تسلّحنا بالمشروم، حكى واحدة من مغامراته كان فيها أعزل، لم أكن أسمعه بل أقرأ ما ينطقه كأسطر تحوم حولي، تتشكّل الأسطر على هيئة هدهد.  

نطقتُ بعفوية: شفت الهدهد. فعقّب: عرفت منين؟ في الكراس هدهد… هدهد تتدلّى من فمه قصيدة. وضحك مثل مشاهد الغرز في الأفلام، وكما هو متوقع ضحكتُ، فالضحك معدٍ.

وفي الجلسات التالية، توقّعت أن يعرض عليّ الكراس، لكنه لم يفعل، بل قرأ عليّ من الأعمال الكاملة لشاعرنا الراحل التي صدرت عقب موته.

توالت جلسات التسلح، ووسط الانبساط، نقل لي خبراً مُحزناً: ضاع كراس الشعر. ثم قال إن الشعر في الرأس لا الكراس، وسبقتُه بنطق اللازمة: في الحفظ والصون.

Contributor
أحمد وائل
كاتب مصري، من أعماله «تربية حيوانات متخيلة» (المحروسة، 2020) و«صواب [خاطئ]» (وزيز، 2024). ومنذ نشر «ليسبو» (2008) لم يكرّر تجربة كتابة الراوية، مُفضلًا إنتاج نصوص أقصر، تُنشر على فترات متباعدة قدر الإمكان، لأن كل تأخيرة في النشر فيها خيرة. يعمل حاليًا في «مدى مصر».
Post Tags
Share Post
Written by

<div class="docos-replyview-body docos-anchoredreplyview-body docos-replyview-body-emoji-reactable docos-replyview-body-emoji-reactable-background" dir="rtl"><span style="font-size: 18.6667px;">كاتب مصري، من أعماله «تربية حيوانات متخيلة» (المحروسة، 2020) و«صواب [خاطئ]» (وزيز، 2024). ومنذ نشر «ليسبو» (2008) لم يكرّر تجربة كتابة الراوية، مُفضلًا إنتاج نصوص أقصر، تُنشر على فترات متباعدة قدر الإمكان، لأن كل تأخيرة في النشر فيها خيرة. يعمل حاليًا في «مدى مصر».</span></div>

No comments

Sorry, the comment form is closed at this time.