RR

ثلاثيةٌ من وقتٍ قد مضى

قبوٌ في رأسي

اجلس أنا في رأسي، الظلمة حالكة. وحدي. لا أحد سواي. يتكشّفُ قبوٌ مظلم أم أفتحه أنا. لا أدري. يخرج الكثير من الذبابُ اللزجُ من داخلي، مني، أنا الكلب الميت. تلتصق بوجهي الذبابات فأهشُّها. أهشُّ الواحدة تلو الأخرى. أقول للذباب: اليوم لن تلتهميني. اليوم لن تلتهميني. يزعجني ملمس الذباب الزلق على وجهي. ويزعجني أنني لا استطيع أن أرى الذباب جيداً في الظلمة. تلتصق إحداها بوجهي دون أن أشعر… تغمرني الريبة، دون أن أعرف السبب. وبعد ساعات، بلا قصد، أحرّك عضلة ما بوجهي، فتطير الذبابة. أصيح بها: أما آن لك أن تختاري جيفة بدلاً مني؟

 

 

الأنبوبة والغرق

أراهُ كلّ يوم من نافذتي. يمرّ جارّاً أنبوبتَي أوكسجين وضعتا كيفما اتفق في حقيبة ذات عجلات. يخرج من الحقيبة أنبوبٌ رفيع ينتهي بكمامةٍ شفافةٍ للتنفُّس يرتديها الشاب على فكه وتغطي أنفه. يمرّ كل صباح ماشياً بتثاقل ورئتاه تلحقان به، وأفكاري وتخميناتي كذلك. ماذا يعمل هذا الشاب؟ وإلى أين يذهب كل يوم؟ أتخيّله يوماً يعمل في مشغل للخياطة، يضع حقيبة الأنابيب بجانب آلة الخياطة خاصته، فتهتزّ مع حركة الآلة، ويعير شهيقه وزفيره وصعود صدره وهبوطه مع حركة نول الخياطة، كنوع من التناغم. أتخيّل الخيطان أحياناً تتشابك والأنبوب، فيفكّها بعد أن شكلت بيت عنكبوت من الألوان الزاهية والتفّت حول الأنبوب الرفيع. أحياناً، في غمرة أفكاري، أقلق من أن يقصّ أنبوب تنفسه عن طريق الخطأ خلال محاولته لقص إحدى قطع القماش، ثم أذكّر نفسي أنني أنا من افترضت أنه خياط ويبدو أنني استغرقت في الفكرة، وأنّ ليس هناك ما يدعو للقلق أبداً. عبثاً أتخيّله بنّاءً وأحياناً حلاقاً، تارةً نجاراً وأخرى بائعاً في دكان، يجلس بصمت، وحيداً إلا من رئيته، والقيظ يحرقه، وقناع التنفس ينديه بخارٌ تكاثفَ من شدة الحر، يحاول عابئاً أن يُفهم صبياً بليداً أن ليس لديه حليباً في الدكان. أفيق من أفكاري على صوت طرق الأنابيب ودحرجة العجلات. إنه العصر وها قد عاد. أُسرع للنافذة، وأشخص بنظري إليه، أفكّر بما يمكن أن يحتويه رأسه الآن من أفكار، يرفع رأسه متثاقلاً إلى نافذتي، أراه يبتسم لي ابتسامة تهكمية من خلف القناع، ينظر في عيناي مشفقاً وحاله يقول: يا لسذاجتك. تحاولين عبثاً أن تكتشفي طبيعة عملي لكن أفكارك كلها ساذجة. ساذجة وكسولة ومحدودة بما اعتدتِ عليه. يا لبؤس حياتك يا من تحاولين النجاة على اليابسة. أما أنا، فسأتمكّن من التنفس تحت الماء عمّا قريب، فقد بدأت خياشيمي بالظهور.

 

 

صمت

في البيت تشرق شمسٌ أخرى

أما في الشارع، فليْل



تحرقُ الشمس الأريكة

فأمدّ أنا قدمي



أعمّدُ جسدي برماد الموبيليا

أفترش الحائط،

ثم التصقُ بالسقف



أراقبُ الحرائق

بصمتٍ ودمعة

Contributor
اديل جرار

أديل جرّار (فلسطين، 1992)، عاملة ثقافية وقيمة معارض وكاتبة. حاصلة على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بيرزيت عام 2016، وتستكمل الحصول على درجة الماجستير في الإدارة الفنّية والثقافية من جامعة لوفانا في ألمانيا. تتلاقى اهتمامات جرّار بعملها، وذلك ضمن تحليل مجازات بُنى السلطة/ القوّة في عملية إنتاج الفن، مع خبرة واسعة في مجالات التصميم والبحث والكتابة وقيميّة المعارض. كُلّفت جرّار بالكتابة لعديد المنصّات والمجلّات، بما في ذلك مؤسّسة الدراسات الفلسطينية، وحِبر، و"Lifta Volumes"، و"the Funambulist"، و"the Art Columnist".  و قد شاركت في كتاب "إعادة قولبة العالم : رام الله، قصص خيال علمي من فلسطين". كما عملت جرار على قيميّة عدة معارض فنية، منها معرض "لكن هذه الأشكال يجب أن تخترع" بتكليف من مركز خليل السكاكيني الثقافي، ومعرض "ذكرى من الغد" بتكليف من المركز الثقافي الفرنسي، ومعرض "مدى البرتقال" بتكليف من المتحف الفلسطيني.

Post Tags
Share Post
Written by

<p dir="rtl"><span id="docs-internal-guid-83d3584f-7fff-fe3f-2d36-e118d85bf659" style="font-size: 12pt;">أديل جرّار (فلسطين، 1992)، عاملة ثقافية وقيمة معارض وكاتبة. حاصلة على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بيرزيت عام 2016، وتستكمل الحصول على درجة الماجستير في الإدارة الفنّية والثقافية من جامعة لوفانا في ألمانيا. تتلاقى اهتمامات جرّار بعملها، وذلك ضمن تحليل مجازات بُنى السلطة/ القوّة في عملية إنتاج الفن، مع خبرة واسعة في مجالات التصميم والبحث والكتابة وقيميّة المعارض. كُلّفت جرّار بالكتابة لعديد المنصّات والمجلّات، بما في ذلك مؤسّسة الدراسات الفلسطينية، وحِبر، و"Lifta Volumes"، و"the Funambulist"، و"the Art Columnist".  و قد شاركت في كتاب "إعادة قولبة العالم : رام الله، قصص خيال علمي من فلسطين". كما عملت جرار على قيميّة عدة معارض فنية، منها معرض "لكن هذه الأشكال يجب أن تخترع" بتكليف من مركز خليل السكاكيني الثقافي، ومعرض "ذكرى من الغد" بتكليف من المركز الثقافي الفرنسي، ومعرض "مدى البرتقال" بتكليف من المتحف الفلسطيني.</span></p>

No comments

LEAVE A COMMENT