RR

أربعة مشاهد وخاتمة (أو قصّة غير متماسكة)

سلوى الإرياني، ترجمتها من الانجليزية ملك عفونة

1.  الانتظار بدايةً

راسلتُ والدتي عصر أحد أيام شهر تشرين الأوّل من عام 2020، أسألها فيما لو كانت تعرف شخصاً يعمل في البنك المركزي اليمني في صنعاء.[1]تأسّس البنك المركزي اليمني عام 1971 في الشمال، أما مصرف اليمن فتأسّس في الجنوب عام 1972. اندمج البنكان بعد قيام … Continue reading  

جاءني ردها:

أبحث عن شخص باستطاعته أن يلتقط صورة لقاعة الانتظار الرئيسة في البنك. تحدّثنا في الأمر مسبقاً، أتذكرين؟

شرعتُ منذ أشهر في تتبّع القطع الأثرية والمباني التي تظهر على العملات والأوراق النقدية اليمنية، ومع مضي الوقت[2]منذ عام 1967 حتى عام 1990، كان الدينار اليمني عملة اليمن الجنوبي، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وبعد اتحاد … Continue reading وظهور صورة مبنى البنك من الخارج على الوجه الخلفي لفئة المئة والوجه الأمامي لفئة الخمسمئة، تملّكتني رغبة في رؤية المبنى من الداخل.

كانت قاعة الانتظار المكان الذي أتخيّلني أجلس فيه، دون أن أدري ما الذي أنتظره.

في وقت مبكر من صبيحة اليوم التالي، أرسلت لي أمي رد شادية.

[11:40 بتوقيت ماليزيا]

جاء صوتها منقوعاً بلكنة عائلية لم أسمعها منذ زمن. عندما خلدتُ للنوم تلك الليلة، حلمتُ أنّ شادية وأختها وابنة أختها حضرن لزيارتي.

                                                                                                أعملّكن شاهي؟  

  

لم آتِ على ذكر البنك مجدداً.

البنك المركزي اليمني 1988 | مشهد داخلي من قاعة البنك الرئيسة، صنعاء. بإذن من المعماري صلاح زيتون، © 1988 أرشيف جائزة الآغا خان

البنك المركزي اليمني 1988
مشهد داخلي من قاعة البنك الرئيسة، صنعاء. بإذن من المعماري صلاح زيتون، © 1988 أرشيف جائزة الآغا خان

بدأت صوري الفوتوغرافية وكتاباتي هنا من إدراكي لفعل نسيان عرضي، نسيان أنّني كنتُ في بلد غريب. بدأتُ أفتتن بأبسط إشارات الاختلاف الوطني، ألا وهي حالات الاستغراب الطفيف الذي يشعره المرء إزاء العملات الأجنبية.[3]Allan Sekula, Geography Lesson: Canadian Notes (Cambridge, MA: MIT Press, 1984), 6.

—آلان سيكولا

 

2. مشهد طبيعي على وجه العملة 

في رواية "ملاك التاريخ" لربيع علم الدين، يصف بطل الرواية، الشاعر يمنيّ المولد جاكوب، مغادرة القاهرة التي نشأ بها، مقتبساً بريخت: "في إحدى قصائده، يقارن بريخت نفسه برجل يطوف بين الناس وبيده طوبة ليبرهن للعالم كم كان منزله جميلاً."[4]Alameddine, Rabih, “The Angel of History,” Atlantic Monthly Press, 2015, 142.

جسر شهارة موقع لم أزره وبلدة فيها بيوت لم أسكنها. صدف أنّي عرفت معالم المكان كما يعرف المرء وجه العملة.

صورة تُبيّن حوافّ جسر شهارة كما يظهر محفوراً على الوجه الأمامي لقطعة نقدية من فئة 10 ريال بعد طباعتها على وجه ورقة باستخدام تقنية الفرك بقلم رصاص. © 2020 سلوى الإرياني

صورة تُبيّن حوافّ جسر شهارة كما يظهر محفوراً على الوجه الأمامي لقطعة نقدية من فئة 10 ريال بعد طباعتها على وجه ورقة باستخدام تقنية الفرك بقلم رصاص. © 2020 سلوى الإرياني

الفئة 10 ريالات يمنية  |  الكتلة 6.05 غرام  |  القطر 25 مم  |  السُمك 1.75مم  |  المادّة ستانلس ستيل

 

[10 ريالات يمنية، 1995-2009، قيد التداول]

 

يقع جسر شهارة للمشاة بين جبال سلسلة الأهنوم الواقعة في محافظة عمران، شمال غرب اليمن. بُني هذا الجسر في القرن السابع عشر، ليربط بين جبلَي شهارة الأمير وشهارة الفيش، معلَّقاً فوق أخدود عميق يلتقي عنده الجبلان.

قبل بناء الجسر، ومنذ سكن الناس الجبلين، انطبعت حياتهم بالمعاناة لإيصال الإمدادات بين قرى الجبلين. فقد كان على سكان الجبل الواحد الهبوط نحو قاع الهوة الفاصلة بينهما ثم تسلق الجبل الآخر للوصول إلى مساكنه، على الرغم من أنّ الجبلين يبعدان عن بعضهما مقدار صرخة.

إلى اليوم، ترث الأجيال الجديدة عن كبار السن قصة صالح اليمان، المعماري الذي أنشأ الجسر ثم أدهشه ما رأت عيناه عند اكتمال البناء، فعجز عن استيعاب تشييده جسراً بهذه الروعة وفقد عقله.[5]Denzil Griffiths, “Shaharah —the remote fortified mountain village: And the story behind the bridge of sighs,” Medium, July 23, 2020, https://medium.com/lessons- from-history/shaharah-the- … Continue reading

 

 صورة لجسر مشاة شهارة، مأخوذة من موقع أمامي علوي لقوس الجسر الحجري الذي يصل بين الجبلين من خلال سلسلتي أدراج تمتدّان من الجبلين إلى جانبيّ الجسر. تُظهر الصورة خمسة أشخاص يجلسون وسط الجسر ويمينه، وشخصاً يهبط سلسلة الأدراج اليسرى. تميل ألوان الصورة إلى البنيّ الداكن، ويَظهر وادٍ يكسوه الضباب في خلفيّتها.
وصف الصورة: بإذن من برنارد غاغون، نُشرت مع رخصة CC BY-SA 3.0

 صورة لجسر مشاة شهارة، مأخوذة من موقع أمامي علوي لقوس الجسر الحجري الذي يصل بين الجبلين من خلال سلسلتي أدراج تمتدّان من الجبلين إلى جانبيّ الجسر. تُظهر الصورة خمسة أشخاص يجلسون وسط الجسر ويمينه، وشخصاً يهبط سلسلة الأدراج اليسرى. تميل ألوان الصورة إلى البنيّ الداكن، ويَظهر وادٍ يكسوه الضباب في خلفيّتها.
وصف الصورة: بإذن من برنارد غاغون، نُشرت مع رخصة CC BY-SA 3.0

صورة لجسر مشاة شهارة، مأخوذة من مسقط جانبي علوي لقوس الجسر الحجري الذي يصل بين الجبلين من خلال سلسلتي أدراج تمتدّان من الجبلين إلى جانبي الجسر. تُظهر الصورة شخصاً يتكئ على حافة الجسر ويرسل نظره إلى الوادي. يطغى على الصورة لون دافئ الحمرة، وتظهر سلاسل الجبال القريبة في خلفية الصورة

صورة لجسر مشاة شهارة، مأخوذة من مسقط جانبي علوي لقوس الجسر الحجري الذي يصل بين الجبلين من خلال سلسلتي أدراج تمتدّان من الجبلين إلى جانبي الجسر. تُظهر الصورة شخصاً يتكئ على حافة الجسر ويرسل نظره إلى الوادي. يطغى على الصورة لون دافئ الحمرة، وتظهر سلاسل الجبال القريبة في خلفية الصورة.

في قصة خيال علمي لإدموند هاملتون، ينقاد الحطّاب هوماتي نحو الغابة مأخوذاً بطقس سحري عجيب، يتغيّر في خضمه إدراكه بشكل غريب. في بابل الريفية هذه حيث يسود الضياع، يتباطأ إحساسه بالوقت وتتّخذ الغابة وساكنوها طاقة غريبة أمام عينيه. تتحرّك النباتات والأشجار والأعشاب بإيقاع لم يألفه قَط. في هذه الرؤيا الهذيانية، تدبّ الحياة رويداً رويداً في أشياء جامدة أو باطنية الحركة. لو استطعنا مشاهدة أديم الأرض يتحرّك ببطء مهول، سيصبح بمقدورنا رؤية الجبال والسهول والبحيرات تتشكّل أمام أعيننا.[6] Luigi Ghirri, “Franco Vimercati,” The Complete Essays 1973–1991 (London: MACK, 2016), 85.

لويجي غيري

 

3. جسرٌ أياً كان اسمه

في إحدى مساءات أيّار عام 2013، قُتل شابان جراء محاولتهما تجاوز موكب عرس في صنعاء. كان المعتدون من بطانة أحد أشهر قادة القبائل وعضو بارز في المؤتمر الشعبي العام[7].المؤتمر الشعبي العام هو حزب يمني أسسه الزعيم  المستبد علي عبد الله صالح عام 1982. فرض الحزب سيطرته على الساحة … Continue reading . كان القتيلان ينتميان إلى عائلة مدنية من الجنوب.

في الأيام التي تلت الحادثة، خرج متظاهرون احتجاجاً على الجريمة، لكنها عبَرت دون مساءلة قانونية.

بعد مُضيّ شهر، أعلن المجلس المحلي لمديرية السبعين إطلاق اسم الشهيدين الخطيب وأمان على جسر ونفق يجري بناؤهما في حيّ بيت بوس، قرب موقع الجريمة.

أُنجزت أعمال البناء عام 2014.

صورة جدار من الطوب الرمادي، يحمل أشكال أحصنة مطبوعة باستخدام الروسَم، تعلوها كلمة "الطرق" مكتوبة بطوب أحمر نافر.
وصف الصورة: "بلا عنوان (الطرق)"، التقطتها سلوى الإرياني، 2018، صورة فوتوغرافية رقمية، جدار حجري يحمل أشكال أحصنة مطبوعة باستخدام الروسم، (رمز حزب المؤتمر الشعبي العام)، صنعاء، شارع الحديدة. © 2020 سلوى الإرياني

صورة جدار من الطوب الرمادي، يحمل أشكال أحصنة مطبوعة باستخدام الروسَم، تعلوها كلمة "الطرق" مكتوبة بطوب أحمر نافر.
وصف الصورة: "بلا عنوان (الطرق)"، التقطتها سلوى الإرياني، 2018، صورة فوتوغرافية رقمية، جدار حجري يحمل أشكال أحصنة مطبوعة باستخدام الروسم، (رمز حزب المؤتمر الشعبي العام)، صنعاء، شارع الحديدة. © 2020 سلوى الإرياني

لقطة من الفيديو التعريفي بشركة السعيد لتصنيع الخرسانة والمقاولات، فيها لقطة علوية للمرحلة النهائية من مشروع بناء جسر ونفق بيت بوس. يحيط خط الأفق والسيارات والشارع بموقع البناء. تظهر مجموعة من الخطوط الطولية على الجانب الأيسر من الصورة مبيّنةً اللقطة التي ستتبدّل فيها شريحة العرض في الفيديو. محافظة صنعاء، 2014. © 2014 شركة السعيد لتصنيع الخرسانة والمقاولات

لقطة من الفيديو التعريفي بشركة السعيد لتصنيع الخرسانة والمقاولات، فيها لقطة علوية للمرحلة النهائية من مشروع بناء جسر ونفق بيت بوس. يحيط خط الأفق والسيارات والشارع بموقع البناء. تظهر مجموعة من الخطوط الطولية على الجانب الأيسر من الصورة مبيّنةً اللقطة التي ستتبدّل فيها شريحة العرض في الفيديو. محافظة صنعاء، 2014. © 2014 شركة السعيد لتصنيع الخرسانة والمقاولات.

كان الجبل وعراً بدون مسالك وبدون حياة.. مجرد صخور صلدة.. ورأى علي التهامي الحبال تُربط في وسط الرجال القصار الذين بدأوا دون إبطاء في التسلق، وشعر بدقات قلبه تنتفض بقوة. إن كل شيء حقيقة إذن، لقد كذّب الخبر منذ أيام حين سمع أن الصين سينسفون كل الجبال التي تعوق الطريق لتسير في خط مستقيم.. كيف يستطيع هؤلاء المجانين نسف جبال؟

— محمد عبد الولي، طريق الصين، 1966[8].محمد عبد الولي، "طريق الصين" الأرض يا سلمى، دار الآداب، ١٩٦٦، بيروت، ص23

 

4.
[9]AP Archive, “Damaged bank notes repaired to stay in use,” September 7, 2016, online video, 3:00 min, http://www.aparchive.com/ metadata/youtube/ 4b57734334a7bdc917724e8b17c4267a

 


قبل بضع سنوات، وقعت عيناي على جملة تقول: "في نظام قائم على الأسعار، يستحيل التضامن بين الملايين والفلوس".[10]Gerrit Gohlke, “Abstract Absolutism: On the Abstracting Power of the Market and Local Counter-Strategies,” in Public Abstraction, ed. Vlado Velkov (Berlin: Walter König, 2015), 212.
تملّكتني العبارة منذ ذلك الحين، وأفكر بها كلما مرّت عملة معدنية بين يديّ.

تُسحب ملايين العملات المعدنية والورقية من التداول سنوياً. تُتلف الأوراق النقدية المهترئة، تُفرم، تُخرّم، تُحرق، بينما تُحال القطع النقدية إلى خردة ثم تُباع.

ماذا عساي أحكي عن السياسات المالية؟ أنا التي تعوزني المعرفة النظرية والتجربة المباشرة اللازمتان لكي تُروى القصة.

كل ما بوسعي قوله هو إنّ محمد القيصر يعيش في تعز، ويرمّم الأوراق النقدية التالفة.[11].يظهر محمد القيصر في الفيديو أعلاه وهو يمارس مهنة إصلاح الأوراق النقديّة التالفة وترميمها 

خلال الأعوام الستة الماضية، أدّى انهيار الريال اليمني إلى تضخّم هائل. أما مؤخراً، فقد أدّى النقص في سيولة الأوراق النقدية إلى إعادة ضخ الأوراق التي كانت قد أُتلفت وسُحبت من الأسواق. جاء الأثر الأكبر لهذا النقص من نصيب الفئات النقدية الصغيرة، مثل 10-20 ريالاً وأوراق الـ 50-100 ريال.

في البقالات والحافلات الصغيرة، عادةً ما يُعطى الزبائن قطعاً من الحلوى أو حبات الشوكولا بدلاً من الفكّة. 

غالباً ما يتطوّر هذا النوع من التبادل إلى عراك.

من هنا تبدأ قصة القيصر.

صورة فوتوغرافية تُظهر مجموعة من أوراق الريال اليمني معروضة في نافذة أحد دكاكين سوق الملح في البلدة القديمة في صنعاء. تتدلّى الريالات في نمط مخطط شبكي وتتراوح ألوانها بين الأزرق والأخضر والزهري والأرجواني، كما تتراوح الفئات النقدية التي تمثّل قيمتها. © دعاء صدام

صورة فوتوغرافية تُظهر مجموعة من أوراق الريال اليمني معروضة في نافذة أحد دكاكين سوق الملح في البلدة القديمة في صنعاء. تتدلّى الريالات في نمط مخطط شبكي وتتراوح ألوانها بين الأزرق والأخضر والزهري والأرجواني، كما تتراوح الفئات النقدية التي تمثّل قيمتها. © دعاء صدام.

نسخة رقمية عن ورقة 100 ريال يمني تالفة، متآكلة الحوافّ وممزقة من المنتصف، ويطغى عليها اللونين الوردي الباهت والبيج. نُشرت الصورة برخصة مشاع إبداعي

نسخة رقمية عن ورقة 100 ريال يمني تالفة، متآكلة الحوافّ وممزقة من المنتصف، ويطغى عليها اللونين الوردي الباهت والبيج. نُشرت الصورة برخصة مشاع إبداعي.

كان والدي يحكي لنا كيف انتشر لَعب اليانصيب بين عامّة الشعب في بابل، كان ذلك في قديم الزمان، منذ قرون؟ أو أعوام؟ كان يحدّثنا – لا يمكنني الجزم بصحة ما يقول- كيف كان الحلاقون يأخذون من الرجال قطع النقود النحاسية ويعطونهم بالمقابل قطعاً مستطيلة من الجلد أو العظم تزيّنها الرموز. وفي وضح النهار، يجري عليها سحب: أولئك الذين يبتسم لهم القدر دون أيّ وساطة من الحظ، يفوزون، بقطع نقود سُكّت من الفضّة. يتّضح الطابع البدائي لقوانين اللعبة. كان الفشل، بطبيعة الحال، قريناً لهذه اللعبة التي تُدعى اليانصيب، إذ أنّها لم تحتكم لأي دافع فعّال، ولم تكن برهاناً على مواهب المرء وقدراته، إنّما فقط على تمسّكه بالأمل.[12] Jorge Luis Borges, “The Babylon Lottery,” in Ficciones, ed. Anthony Kerrigan (New York: Grove Press, 1962 [1956]), 55. 

—خورخي لويس بورخيس

لقطة من فيلم يوم الحظ Lucky Day للفنان رومان أونداك. يستكشف الفيلم إمكانيات الحج المعاصرة في سياق علماني. يتتبّع الفيلم شخصاً يرمي كمية كبيرة من العملات المعدنية في نافورة مياه في حركات أدائية تستجدي الحظ. صُوِّر الفيلم في سانتياغو دي كومبوستيلا، التي لطالما قصدها الحجيج منذ العصور الوسطى. تُدعى النافورة التي تظهر في المقطع برازا دي فونسيكا.

يوم الحظ (Lucky Day)، رومان كونداك، 2006، 04:00 دقائق، مُعاد (loop)، 16 مم فيلم، ملوّن، صامت. بإذن من الفنان وغاليري Esther Schipper، برلين. © رومان أونداك

لقطة من فيلم يوم الحظ Lucky Day للفنان رومان أونداك. يستكشف الفيلم إمكانيات الحج المعاصرة في سياق علماني. يتتبّع الفيلم شخصاً يرمي كمية كبيرة من العملات المعدنية في نافورة مياه في حركات أدائية تستجدي الحظ. صُوِّر الفيلم في سانتياغو دي كومبوستيلا، التي لطالما قصدها الحجيج منذ العصور الوسطى. تُدعى النافورة التي تظهر في المقطع برازا دي فونسيكا.
يوم الحظ (Lucky Day)، رومان كونداك، 04:00 دقائق (مُعاد)، فيلم 16 مم ، ملوّن، صامت. بإذن من الفنان وغاليري Esther Schipper، برلين. © رومان أونداك 2006

خاتمة

ظننتُ في البداية أنّ هذا النص سيحكي عن رحلتي في تقفّي أثر الصور التي تحملها القطع المعدنية والأوراق النقدية.

تخيّلتني أكتب بأناقة:

أدهشني أنّ العديد من التصاوير البانورامية والأثرية التي تحملها العملات الورقية اليمنية أُخِذت إما عن صور فوتوغرافية التقطها مستشرقان ألمانيان هما ريتشارد غيرلاك وهانس هلفرتس [خصوصاً من كتابَي: "الشمس فوق شبه الجزيرة العربية: صور من اليمن" (1969) و"أرض بلا ظل" (1934)] ،[13]:ملاحظة المترجمة: أسماء الكتب كما وردت بلغاتها الأصلية
Sonne über Arabien: Bilder aus dem Jemen (1960) و Land Ohne Schatten (1934)
أو عن صور من المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان، التي أسّسها عالم الآثار الأمريكي ويندل فيليبس، الذي جنى لاحقاً ثروة جرّاء تحوّله إلى أحد هوامير النفط.[14]P. Symes, M. Hanewich, and K. Street, The Banknotes of Yemen (self-pub., Canberra, 1997), 85.

إلّا أنّني ما أزال بعيدةً كل البعد عن فهم أثر هذه الصور التراثية، أو المكان الذي توجد به اليوم القطع الأثرية التي تصوّرها العملات[15].نُهب العديد منها خلال حملات التنقيب الأثري فبقيت ضمن مجموعات خاصة أو وُهبت لمتاحف غربية، ولكن أغلبها هُرّب … Continue reading، أو مآلات المباني والمشاهد الطبيعية التي تحملها هذه الأوراق النقدية، والتغيّرات التي طرأت عليها تبعاً لحياة الأشخاص الذين ما زالوا أو ما عادوا يسكنونها.

لا بل إنّي أبعد من رواية قصة متماسكة عن الماضي، في حين ينضح الحاضر بالغموض والالتباس أكثر من أي وقت مضى.

صورة باللونين الأرجواني والوردي تُبيّن الوجه الخلفي من ورقة 20 ريالاً يمنياً. أصدرها البنك المركزي اليمني بين عامي 1973 و1977. تُظهر الصورة كتابة وأرقاماً إنجليزية وإطاراً مزخرفاً، في منتصفها رسم لمدرجات جبليّة تمثّل مرتفعات اليمن الوسطى، التي تُنتج اليوم معظم الصناعات الزراعية في اليمن. 

20 ريالاً يمنياً (وجه العملة الخلفي)، 1973-77،Banknote Index. P-0014 . © 2011 عمر يالشينكايا

صورة باللونين الأرجواني والوردي تُبيّن الوجه الخلفي من ورقة 20 ريالاً يمنياً. أصدرها البنك المركزي اليمني بين عامي 1973 و1977. تُظهر الصورة كتابة وأرقاماً إنجليزية وإطاراً مزخرفاً، في منتصفها رسم لمدرجات جبليّة تمثّل مرتفعات اليمن الوسطى، التي تُنتج اليوم معظم الصناعات الزراعية في اليمن.
20 ريالاً يمنياً (وجه العملة الخلفي)، 1973-77،Banknote Index. P-0014 . © 2011 عمر يالشينكايا

صورة فوتوغرافية تُظهر حقول اليمن الجبلية المتدرجة في المقدمة، تَلوح من ورائها سلسلة جبلية صخرية تحت سماء فاتحة الزرقة تتناثر فيها الغيوم. 

Im jemenitischen Bergland wurden kunstvoll Terrassenfelder angelegt

(في جبال اليمن، تتدرّج الحقول بهيئات بالغة الوضوح)، ريتشارد غيرلاك، 1960، نسخة رقمية عن صورة وردت في كتاب للمؤلف مذكور بعنوان:

Sonne über Arabien: Bilder aus dem Jemen (Leipzig: VEB F.A Brockhaus Verlag, 1960), 36

صورة فوتوغرافية تُظهر حقول اليمن الجبلية المتدرجة في المقدمة، تَلوح من ورائها سلسلة جبلية صخرية تحت سماء فاتحة الزرقة تتناثر فيها الغيوم.
Im jemenitischen Bergland wurden kunstvoll Terrassenfelder angelegt
(في جبال اليمن، تتدرّج الحقول بهيئات بالغة الوضوح)، ريتشارد غيرلاك، 1960، نسخة رقمية عن صورة وردت في كتاب للمؤلف مذكور بعنوان:
.Sonne über Arabien: Bilder aus dem Jemen (Leipzig: VEB F.A Brockhaus Verlag, 1960), 36

لا بد أن تحتوي كل الأشكال في ذاتها على إمكانية التحوّل إلى شيء آخر.[16]Marisa Merz, It Doesn’t Match, Yet It Flourishes (Turin: Fondazione Merz; Venice: Fondazione Querini Stampalia, 2012), 83. .نُشرت بالتزامن مع معرض يحمل العنوان … Continue reading

—ماريسا ميرز

صورة بالأبيض والأسود عن الوجه الأمامي للعملة اليمنية من فئة 20 ريالاً، أصدرها البنك المركزي اليمني بين عامي 1973 و1977. تُظهر الصورة كلمات وأرقاماً باللغة العربية وإطاراً مزخرفاً. يُظهر الجانب الأيسر من الورقة النقدية المصوَّرة قطعة منحوتة مرمرية تحمل تمثالَ ذات مزر (إلهة الخمرة)، وهو تمثال قديم ينتمي لجنوب شبه الجزيرة العربية، ويصوّر إلهة الخصوبة تجلس عارية بين أوراق العنب وعناقيده.
20 ريالاً يمنياً، (وجه العملة الأمامي). جمهورية اليمن، 1973-77،Banknote Index. P-0014. ©  2011 عمر يالشينكايا

صورة بالأبيض والأسود عن الوجه الأمامي للعملة اليمنية من فئة 20 ريالاً، أصدرها البنك المركزي اليمني بين عامي 1973 و1977. تُظهر الصورة كلمات وأرقاماً باللغة العربية وإطاراً مزخرفاً. يُظهر الجانب الأيسر من الورقة النقدية المصوَّرة قطعة منحوتة مرمرية تحمل تمثالَ ذات مزر (إلهة الخمرة)، وهو تمثال قديم ينتمي لجنوب شبه الجزيرة العربية، ويصوّر إلهة الخصوبة تجلس عارية بين أوراق العنب وعناقيده.
20 ريالاً يمنياً، (وجه العملة الأمامي). جمهورية اليمن، 1973-77،Banknote Index. P-0014. ©  2011 عمر يالشينكايا.

قطعة منحوتة تحمل تمثال إلهة. يُظهر الجزء العلوي الأيسر من المنحوتة مخلوقاً أسطورياً مكوَّناً من رأس أسد آسيوي وجسد أفعواني وذيل سمكة وأجنحة. يعلوه طفل مقدّس يظهر عارياً ويمسك أحد أجنحة المخلوق بيده اليسرى وفي يمناه سيف قصير لقيادة المخلوق. لعلّ قطعة أخرى أصغر حجماً لرأس مخلوق شبيه التكوين موجودة الآن في المتحف البريطاني تكمّل هذه المنحوتة. يُبرز الجزء السفلي الأيمن من هذه المنحوتة إلهة الخصوبة تجلس عاريةً بين أوراق العنب وعناقيده. دخلت هذه الأساليب الفنية والوحدات الشكلية الجديدة مثل إلهة الخصوبة إلى ثقافة الجنوب العربي في القرنين الثاني والثالث للميلاد، مع ازدياد التأثّر بالحضارات الإغريقية والرومانية.
صُنع من المرمر، في مأرب في اليمن، خلال القرن الثاني للميلاد. يعرضه حالياً متحف والترز للفنون في بالتيمور. نُشرت الصورة برخصة مشاع إبداعي

قطعة منحوتة تحمل تمثال إلهة. يُظهر الجزء العلوي الأيسر من المنحوتة مخلوقاً أسطورياً مكوَّناً من رأس أسد آسيوي وجسد أفعواني وذيل سمكة وأجنحة. يعلوه طفل مقدّس يظهر عارياً ويمسك أحد أجنحة المخلوق بيده اليسرى وفي يمناه سيف قصير لقيادة المخلوق. لعلّ قطعة أخرى أصغر حجماً لرأس مخلوق شبيه التكوين موجودة الآن في المتحف البريطاني تكمّل هذه المنحوتة. يُبرز الجزء السفلي الأيمن من هذه المنحوتة إلهة الخصوبة تجلس عاريةً بين أوراق العنب وعناقيده. دخلت هذه الأساليب الفنية والوحدات الشكلية الجديدة مثل إلهة الخصوبة إلى ثقافة الجنوب العربي في القرنين الثاني والثالث للميلاد، مع ازدياد التأثّر بالحضارات الإغريقية والرومانية.
صُنع من المرمر، في مأرب في اليمن، خلال القرن الثاني للميلاد. يعرضه حالياً متحف والترز للفنون في بالتيمور. نُشرت الصورة برخصة مشاع إبداعي.

 

 

First published in 2021 by Archive books as: Four Scenes and an Epilogue (or no coherent story), p 143-164, in Imagine something like new justice, collectively edited by the contributors and Övül Ö. Durmuşoǧlu, Seda Yìldìz and Amelie Jakubek, ISBN 978-3-94212-71-1.

This essay is part of "Variations on pressure, or a thought for your penny" a project supported by AFAC - The Arab Fund For Arts And Cult and Einstein Foundation Berlin.

Contributor
سلوى الأرياني

سلوى الأرياني فنّانة بصريّة تعمل في مجال النحت والتجهيز، من مواليد صنعاء وسكّان برلين. ترتكز في أعمالها على مجموعة من الأدوات التي تعثر عليها أو تصنعها، لتحاكي بواسطتها مواقع وبنى تحتية، ومفاهيم عن الأمل ووعود البناء وإعادة البناء.

Contributor
ملك عفونة

كاتبة ومترجمة ومحرّرة من فلسطين. حاصلة على ماجستير في الأدب والفلسفة من جامعة ساسكس. عضو هيئة تدريسية في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت.

Footnotes:

Footnotes:
1 تأسّس البنك المركزي اليمني عام 1971 في الشمال، أما مصرف اليمن فتأسّس في الجنوب عام 1972. اندمج البنكان بعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990 تحت اسم البنك المركزي اليمني، الذي اتّخذ مقرّه المركزي في صنعاء. كان المبنى الذي أقيم فيه البنك قد صُمّم قبل ذلك ببضعة سنوات، على يدّ المعماريَّين المصريين مصطفى شوقي وصلاح زيتون. وفاز التصميم بجائزة آغا خان للعمارة عام 1988. افتتح المبنى أبوابه رسميّاً عام 1981، وظهرت صورته على الوجه الخلفي من عملة الجمهورية اليمنية في الشمال فئة 100 ريال، وذلك منذ عام 1984 إلى عام 1992. وفي عام 1977، ظهرت صورته على الوجه الأمامي من العملة ذاتها ولكن من فئة 500 ريال، وذلك حتّى عام 2000. في عام 2016، أصدرت الحكومة اليمنية في المنفى قراراً مفاجئاً يقتضي بنقل المقرّ المركزي للبنك من صنعاء إلى عدن، بينما بقي فرع صنعاء يعمل تحت سيطرة الحوثيين
2 منذ عام 1967 حتى عام 1990، كان الدينار اليمني عملة اليمن الجنوبي، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وبعد اتحاد النظام المصرفي الذي تلا الوحدة مع اليمن الشمالي اعتُبر الريال والدينار عملتي اليمن الرسميتين، واستمرّ تداول الدينار حتى توقف رسمياً عام 1996 ليصبح الريال العملة الوحيدة لليمن
3 Allan Sekula, Geography Lesson: Canadian Notes (Cambridge, MA: MIT Press, 1984), 6.
4 Alameddine, Rabih, “The Angel of History,” Atlantic Monthly Press, 2015, 142.
5 Denzil Griffiths, “Shaharah —the remote fortified mountain village: And the story behind the bridge of sighs,” Medium, July 23, 2020, https://medium.com/lessons- from-history/shaharah-the- remote-fortified-mountain- village-84cb3fd2cde4#
6 Luigi Ghirri, “Franco Vimercati,” The Complete Essays 1973–1991 (London: MACK, 2016), 85.
7 .المؤتمر الشعبي العام هو حزب يمني أسسه الزعيم  المستبد علي عبد الله صالح عام 1982. فرض الحزب سيطرته على الساحة السياسية اليمنيّة حتى عام 2011، بالاعتماد على نظام  سياسي قائم على مزيج من الحكم العائلي والفساد
8 .محمد عبد الولي، "طريق الصين" الأرض يا سلمى، دار الآداب، ١٩٦٦، بيروت، ص23
9 AP Archive, “Damaged bank notes repaired to stay in use,” September 7, 2016, online video, 3:00 min, http://www.aparchive.com/ metadata/youtube/ 4b57734334a7bdc917724e8b17c4267a
10 Gerrit Gohlke, “Abstract Absolutism: On the Abstracting Power of the Market and Local Counter-Strategies,” in Public Abstraction, ed. Vlado Velkov (Berlin: Walter König, 2015), 212.
11 .يظهر محمد القيصر في الفيديو أعلاه وهو يمارس مهنة إصلاح الأوراق النقديّة التالفة وترميمها
12 Jorge Luis Borges, “The Babylon Lottery,” in Ficciones, ed. Anthony Kerrigan (New York: Grove Press, 1962 [1956]), 55.
13 :ملاحظة المترجمة: أسماء الكتب كما وردت بلغاتها الأصلية
Sonne über Arabien: Bilder aus dem Jemen (1960) و Land Ohne Schatten (1934)
14 P. Symes, M. Hanewich, and K. Street, The Banknotes of Yemen (self-pub., Canberra, 1997), 85.
15 .نُهب العديد منها خلال حملات التنقيب الأثري فبقيت ضمن مجموعات خاصة أو وُهبت لمتاحف غربية، ولكن أغلبها هُرّب في وقتنا الحاضر لينتهي بها المطاف في أسواق العالم
16 Marisa Merz, It Doesn’t Match, Yet It Flourishes (Turin: Fondazione Merz; Venice: Fondazione Querini Stampalia, 2012), 83.
.نُشرت بالتزامن مع معرض يحمل العنوان ذاته، نظّمته مؤسسة ميرز في تورينو من 1 إلى 26 يونيو/حزيران 2012، ومؤسسة كويريني ستامباليا في فينيس من 1 يوليو/تموز إلى 18 سبتمبر/أيلول 2011
Post Tags
Share Post
Written by
No comments

Sorry, the comment form is closed at this time.