RR

وجهُ جدّي مدينةٌ أدارتْ ظهرَها للبحر

طلعةُ النويري.

هذه الطلعةُ الغريبة، الجميلةُ بمحالِّها الصغيرة.

 أمشي وأمشي ولا تنتهي الطريق… كلُّ شيءٍ اسودُ هنا! أنا وفستاني الطويلُ وليل. اليومَ مات جدّي. لكنَّ اجتياحَ هذا السوادِ لطلعةِ النويري وكلَّ تلكَ الجرائِدِ التي تباعُ في كلِّ مكان، جعلتني اظنُّ أنَّ من مات هو غاندي الصغير. أنا لم أرَه، زهراءُ قالت لي. ربّما هي قتلتْه، بسبب لعنتِها تلك. ففي كلِّ مرةٍ تزورُ شخصاً مريضاً يموت. وهي زارت جدي.

أمشي وأمشي ولا تنتهي الطريق. تقولُ أمي إنّ هذهِ الطُرُقاتِ كانتْ أسواقاً شعبية. فبدأتُ أرى في خيالي بائعي الخضارِ والفواكهِ يصرخونَ، والشوارعَ مكتظةً بالناسِ، والمباني قصيرةً، والألوانَ في كلِّ مكان. ولكنْ ما الذي حَصَلَ الآن؟ هل هي الجرافةُ وقد محتِ الذكرياتِ والخيالَ ولم تتركْ من بيروتَ سوى أسماءَ لا نصدّقُها؟

أمشي وأمشي والاحظُ أنني لم آتِ كثيراً الى هنا حينَ كبِرت. هذهِ المحالُّ… كنتُ أراها كبيرةً جداً في صغري. كنتُ أُمسِكُ يدَ جدّتي في الصباحِ الباكرِ وأتجوّلُ في الطرقات. لم تعنِ لي بيروتُ حينَها سوى الكرواسون ع شوكولا والمناقيش. نذهبُ أنا وابنُ خالتي الى دكانٍ قريب، نشتري سحبةً بـ250 ومن ثمَّ علكةً أتقاسمُها مع محتاجةٍ تحملُ ابنَها على زاويةِ الطريقِ لأنّ المالَ قد نفَذَ منّي. لم أرَ الحربَ في بيروتَ حينَها. لم أفكِّرْ أنني مَحَوْتُ بأقدامي آثارَ دماءٍ على هذه الأرض، ولم أفكرْ أنني تنفّستُ بقايا البارودِ في هذا الهواء. كيف أعرِف أنَّ هناكَ ذاكرةً لهذهِ الأماكنِ سوى من بقايا الملصقاتِ التي أكلها الزمن، أين هو خليل ليطرشَ هذه الجدرانَ بالأبيض. ربّما نسيَ… أو مات مع غاندي الصغير! أنا لا أعرفُ، فأنا لم أكُنْ هناك.

أخيراً وصلتُ وانتهتْ الطلعةُ وأنا في زاروبِ بيتِ جدي، زاروبِ مدرسةِ فخر الدين. خليلُ مرَّ من هنا! فجدارُ المدرسةِ كانَ عليه الوانٌ ورسوماتٌ، لكنه ابيضُ الانَ! كانتِ العادةُ أن آتيَ في الصباحِ وأسمعَ صرخاتِ الاولادِ من المدرسة، حيثُ كانت أمي في صِغَرِها. ثم أرى جدي جالساً على الشرفةِ في الطابقِ الأول، بالقربِ من الشجرةِ المزهرةِ يغني لها أحدَ مواويلِه ويضحكُ ضحكةً فيها بحةٌ ثم يؤشرُ لي بالصعود.

ولكن، الوقتُ ليلٌ وجدي ليس على الشرفة، والشرفةُ سوداء، والشجرةُ سوداءُ وأنا سوداء. لا ينقُصُ المشهدَ سوى طوفانٍ كبيرٍ وملح، ملحٍ كثير، ملحٍ لعددِ الأشخاصِ الذين ماتوا على هذه القطعةِ من الأرض، أليسَ الملحُ أبيضَ؟ وكلُّهم، أولئكَ الذين ماتوا، وجوهاً بيضاء؟

ربما عندما مرِضَ جدي كانَ عليَّ أن آخذَه الى البحرِ وأغسلَه فيه. فالبحرُ يشفي كلَّ شيء. هذا ما تقولُه جدتي، التي قصدت بيروتَ قادمةً منَ الجنوبِ لكي تغمِسَ عمّيَ المريضَ، فشُفِي! كانت جميعُ النسوةِ يَحضُرنَ ليَغمِسنَ أولادَهنّ فيه، وكلُّ واحدةٍ تقرأُ من كتابِها: الانجيل او القرآن. جميعُهنَّ آمنّ بالمعجزةِ نفسِها، معجزةِ البحر. وأنا لم أستغربْ، فالراهبةُ التي خرجت من البحر، وأعطت اسمَها لعين المريسة، كانت تَحفَظُ القرآن! إحدى النساءِ تركت ابنَها تحتَ الماءِ طويلاً فماتَ وابتلعَه البحر. فبدأتْ تصرُخُ وتولول. أيَّ صراخٍ شهدَت هذه القطعةُ من البحر؟ هي لم تعرفْ أنه يبتلعُ كلَّ شيء. ربما أدارت ظهرَها له، فلعنها!  سيرحلونَ جميعُهم مع جدي، ولن يبقى أحد. ولكني ما زِلت نادمة. كان عليّ أن أُرسِلَه مع الكوهنو، الكاهنِ السرياني الذي عمّدَ يالو، لعلَّ البحرَ يفهمُ لغتَهُ الغريبةَ أكثرَ من كُتُبِنا. ولعلَّه يَسقي جدّي من مائِه، فيعيشُ جدي ويغنّي مواويلَه فتُزهِرُ الشجرةُ من جديد.

كنتُ في كلِّ مرةٍ أذهبُ فيها الى منطقةِ الغربيةِ لأزورَ بيتَ جدي؛ أقفُ كثيراً أمامَ بيوتٍ فيها ثقوب، ومعظمُها شبهُ مدمرةٍ وصفراء! أقفُ وأسألُ فيقولونَ أنّ هذه البيوتَ من الحربِ الأهليةِ ثم يصمُتون. وأنا أستحي أن أسألَ ما هي الحربُ الأهليةُ وماذا حصل، لأنّ جوابَهم كان ُيشعِرُني بأن عليّ أن أبحثَ في ذاكرتي عنها. ولكن ذاكرتي ليس فيها شيء، لا أعرِفُ حتى لماذا سُمّيتِ المنطقةُ "غربية". أين بوصلةُ هذا الاسم؟ أنا لا أرى سوى بيوتٍ مثقوبةٍ لا ينبغي أن أتكلمَ عنها. أتأمّلُها فقط وأسألُ نفسي كم شخصاً قُتلَ هنا. ماذا عن ذاكرتي وذاكرةِ أولادي؟ لا أعرف! ربَّما بيوتُهم ستدمَّرُ هكذا.

وحدَها جدتي تسمحُ لنفسِها أن تُكلّمَني عنِ البيتِ الذي تهجرَتْ منه في الحربِ الأهليةِ في سن الفيل. ما زالت حتى الآنَ تصِفُ لي فرشَ الصالونِ والغازَ الجديدَ في المطبخ. "طلعنا بالمشايات وبالتياب الي كنا لابسينن بس أنا وولادي" تقول جدتي. "ما لحقت دشِّن شي، وبس رجعنا ما لقينا شي". لم يُقتلْ أحدٌ حينَها. ولكنْ بعدَ وقتٍ طويلٍ على الحرب، استأجرَتْ خالتي المنزلَ نفسَهُ وفي 13 نيسان قُتلتْ! قتلها زوجُها. الموتُ لا يحتاجُ إلى حرب. يكفي أن تموتَ الذاكرة.

رأيتُه، رأيتُ جدي. رفعتُ الغطاءَ عن التابوتِ وتفاجأت، لم أعرِفْ أنهم تركوا رأسَه مكشوفا. نظرتُ في عينيهِ المُطفأتينِ وبكَيْت. كان كلُّه أبيضَ، رأيتُهُ مدينةً في كفن. خليل، لقد كفّنتَ المدينةَ كلَّها بطلائِك الأبيض، فلماذا لم تكفِّنْ رأسَ جدي؟ لماذا نسيتَ أن تطليَ ذاكرتَه؟  

 

كلُّهُم رحلوا! جدّي وغاندي وأليس وخليل… رحلوا رَغْم أنّهم ذاكرتُنا الوحيدة، ذاكرتُنا المتبقيّة. نحنُ الذينَ لم نعِشْ في الماضي. نحنُ الذينَ نشعرُ بالحنينِ إلى الماضي الذي لم نعِشْه.

Contributor
سارة صفي الدين

سارة صفي الدين طالبةُ ”علوم غذائية“صخت عم ّ ٍص بـ“اللغة العربية“ في الجامعةِ الأميركيةِ في بيروت، وطالبةٌ في قسمِ ”السينما والتلفزيون“ في الجامعةِ اللبنانية. مهتمّ ةٌ بتصويرِ الأفلامِ القصيرةِ والوثائقيةِ وإخراجِ ها، وبالرواياتِ الحديثةِ وتحليلِها.
ولد حمزة هاني شمص وترعرع في قرية بوداي قضاء

Post Tags
Share Post