RR

منامٌ يأكلُ يدَه

"التشخيص: بنيان بسيكولوجي ديبريسيف، مع ميول للهستيريا". قالت آنّا لينداو في الجلسة الأخيرة. 

يومها جلبت معي الكتاب الذي أعارتني اياه قبل أسابيع، وشالاً بلون الفستق الحلبي اشتريته لها كهديّة من جارتي السلوفاكية الصامتة التي تمضي أمسياتها في نسج الشالات والجوارب بقطب دقيقة ومعقّدة.

كنت أنوي أن أعيد إليها الكتاب وأهديها الشال. كانا في الكيس إلى جانبي. لكنّني، بدل ذلك، اعتذرت منها وقلت بأنّي نسيت إحضار الكتاب معي، ولم آت على ذكر الشال.

 آنّا لينداو تضع دائماً شالاً لونه فاتح على كتفها الأيسر، في أكثر الأحيان. أما ثيابها فهي في غالباً ما تكون إما بنيّة، أو رمادية، أو سوداء. 

قالت لي، عقب زيارتي الثانية لها، إنها تأخذ حزني على محمل الجدّ. قالتها بعد أن كنت قد وصفتُ مهنتها بالمضحكة. قلت لها إنني أسميتها "حائط المبكى"، وإنني لا أفهم أخذها أحزان الناس على محمل الجدّ: تجلسين كل يوم على هذا الكرسي وتستمعين إلى قصص أشخاص لا يمتّون إليك بصلة، يبكون أمامك بمرارة فتواسيهم... 

لكن السيّدة لينداو لا تعلّق بل تبتسم وتقول: أكملي ما كنت تروينه لي. بين اللحظات التي أصفن فيها، وبين انفجاري بالضحك على نفسي، تبقى السيّدة لينداو على حالها، كما لو كانت أذناً فحسب، لا شخصاً كاملاً بلحم وعظم وأشياء أخرى. تصغي إليّ ولا تعلّق إلاّ حين أبدأ بـ"التكسير"، كما كانت تقول لي صديقتي كلوديت.

تصغي إليّ باهتمام لا أعرف مصدره، وتكتب من وقت إلى آخر أشياء في دفتر أسود. تقول إنها تأخذني على محمل الجدّ فأقول لها إن ربّ عملي السابق وجارتي السلوفاكية وساعي البريد وأصدقائي يفعلون أيضاً. لكن الدبّ الأبيض ما زال يأكل يده وينزف منها الدمّ.

عيناها صغيرتان، لونها أزرق رماديّ يوحي لك بأن الخجل ليس عيباً. أحياناً أكذب عليها، ليس إلا لأمتحنها. فأقول إنني أخجل من أشياء قد لا يخجل منها البعض، كقتل أحدهم مثلاً. كم هو من عمل مخجل! أجل أظنه كذلك، أضيف. ثم أخبرها كيف خجلت يوم قال لي الطبيب بأن مبيضيي توقّفا عن إنتاج البويضات، أي أنّني لن أستطيع الإنجاب بعد اليوم. لم أحزن لأنني لن أكون أمّ أحد في حياتي، إنّما لأنني لن أكون جدّة أحد. تخيّلي امرأة، ليست عاقراً بالضرورة وتبقى، مع هذا، بلا نسل. كم هي أنانية. ثم أتابع الحديث عن بويضاتي وهي تصغي بكل اهتمام، ظانّة أنّني أتعذّب لأني لم أنجب... أقول مفتعلة المرارة، إنه كان لي مئات الآلاف من البويضات وهي الآن انتهت. لم أدع أحداً يلقّحها. لن أكون جدّة أحد. في الحقيقة، أن يكون المرء أمّاً، ذلك دور لا أحسد عليه أحداً. لكنْ أن لا يكون جدّاً أو جدّة فأمر مخجل. هل لي أن أفهم ما المخجل في ذلك؟ لم تستطع السيّدة لينداو إجابتي. ثم رحْت أؤلّف القصص عن جدتي التي، يوم ماتت، بكى الجميع ما عداي. كنتُ في السادسة عشر، وكنت أظن حينها أن الجدّات لا يمتن، بل أنهنّ جزء من الحياة نفسها، كأماكن السكن ووسائل النقل والغذاء. هذه الأشياء لا تنتهي، تتحوّل لكنها لا تختفي كونها حاجة إنسانيّة دائمة وملحّة. أخبرتها كيف كانت جدّتي تأخذني وأختاي الأكبر إلى "السيّدة زينب" كلّ سنة، فتجعلنا مرة بعد مرة نفشخ من فوق خروف أبيض يتدفّق منه الدم، وتقول هذا فداءً لكنّ. ولما كنتُ اسألها عمّا تعنيه، كانت تجيب: نهديه للفقراء كي لا يصيبكنّ مكروه. حين كبرت، صرت أذهب أحياناً إلى هناك، فأضع غطاء أسود على رأسي وأجلس في المقام، حيث رائحة أرجل السيدات المصلّيات اللواتي يبكين راجيات "السيّدة زينب" أن تبدّد همومهنّ. كنت أنظر إلى القفص المَطلي بالذهب، حيث ترمي كل منهنّ قطعة قماش من ثوب مريض أو لعبة ولد معاق أو خصلة شعر امرأة عاقر أو نقوداً. أنظر إليهنّ وكأنني في حلم. وكأننا جميعنا في حلم. أخبر السيّدة لينداو عن السيّدة زينب وأقول لها إنني لا أحسد أحداً على الأمومة لكنّي كنت أحب أن أكون جدّة. كان علي طبعاً أن أشرح لها ما هي السيّدة زينب... أعجبتها قصّتها فهي كانت تصغي بعيون مندهشة (كم يحبّ الألمان الدراما!)، حتى أنها تفهمّت قصّة "ذبح الخروف" قائلة إنها الصورة "الأرشيتيب" عن الطاعة للإله الواحد، وذكرت قصة إسحق الذي كاد أبوه أن يذبحه كدليل على إيمانه بإلهه والخضوع لإرادته. السيّدة لينداو لا تعرف ماذا تقول أحياناً. لا تعرف أن في البلد الذي أتيت منه، ما يزال الآباء يفعلون بأبنائهم ما فعل إبراهيم بابنه إسحق، أو اسماعيل كما يقولون عندنا، لإطاعة ربّهم. ثم فجأة شعرت بالغثيان. 

غريب أمر تلك المرأة؛ هي معالجة نفسية وتتكلّم معي عن الصورة الأرشيتيب التي تَفترض أنّني سأكون متسامحة معها كونها رمزاً مجمَعاً عليه فحسب. هي تستطيع أن تتعامل معها بهذه الطريقة، أما أنا فتوقظ فيّ تلك الصورة مشاعر أخرى، كالتي شعرت بها يوم أوشكت على قتل راينر. 

تعيش داخل هذا السجن الذي هو أنت حين كنت صغيراً. الطفل ما زال في القفص. أنت كبرت. كبر جسمك ومعه هواجسك، أما هذا الطفل الذي فيك فلا يزال في القفص. في قفصك الصدري وفي بلعومك. 

الدب الأبيض لا ينفك يأكل يده. تقول السيّدة لينداو بغية تهدئتي. 

حسناً، أقول لها، دعينا الآن من هذا الموضوع. لماذا تعودين دائما إليه. أنا لا أريد الكلام عن الماضي فلماذا تعيدينني دائماً إلى هناك. الماضي لا يهمّني بل الحاضر: هو أهم بكثير من معرفة أثر نشأتي على نموّ شخصيتي، أو أثر علاقتي براينر الذي كان يمسح الأرض بشعري. عليّ أن أجد عملاً يعيلني. وأقول للسيدة لينداو، في هذا السياق، إني اعتدت، حين كان يسألني أحدهم ماذا أعمل، أن أكذب. مرّة أقول بأنني مدرّسة ومرّة نادلة ومرة أقطع بطاقات في المتحف. وكنت، حين لا أشعر برغبة في الكلام، أقول إنّي لا أعمل شيئاً. مرّة قلت إني الخادمة، لكن ذلك كان على الهاتف. يومها سألَت الفتاة عن زوجي، فيما كنت أشكّ بأنه على علاقة مع إحداهن، فافترضت أن المتّصلة هي تلك الفتاة وأجبت بأنّني الخادمة. ارتبكت الفتاة يومها ولم تعرف بماذا تجيب حين سألتها عن اسمها ورقم هاتفها كي أُعلِم "السيّد" حين يعود كي يتصل بها. لكنها أجابتني بأنها سوف تتصل به لاحقاً. أحسب أنها شكّكت بهويتي. وما الهمّ، فأنا كنت أشكّك بها أيضاً.

أقول لآنّا لينداو إنني أحبّ أن أكون كالآخرين: صاحبة مهنة محدّدة، حتى لو كانت تلك المهنة موظّفة بنك. إذّاك أستطيع، على الأقل، أن أقول لمن يسألني عن مهنتي بأنني موظّفة بنك، وانتهى. قد يسألني محدّثي في أيّ جامعة درست أو في أيّ بنك أعمل، ثم ما هي وظيفتي بالتحديد، وهل العمل في هذا المجال يعجبني، وقد يسأل عن أسعار العملات وعن توقعاتي لوضع البلد الإقتصادي بعد انتخاب الحزب المسيحي الديموقراطي، وأشياء من هذا القبيل. عندها تُفتح أبواب للكلام، تأتي متسلسلة، محدّدة، تُعنى بموضوع واحد لا غير، هو البنك وكلّ ما يتعلق به. شيء واحد يدور حوله الكلام ويكون ذلك مطمئناً بالنسبة إليّ، وبهذا تتركّز الأفكار وتتكثّف الجهود في اتجاه واحد أوحد: عالم المصارف، المال، الحسابات، البورصة، العملات، ولا شيء آخر.

في الغرفة حيث نلتقي تفحّ رائحة "برفان" خفيفة، كأنها خليط من السكّر المحروق وعطر "الأولد سبايس". شعرها أشقر رمادي متوسّط الطول. تضع مرطّب شفاه زهري اللون والقليل من "البودرا" على وجنتيها. يبدو مظهرها أنثوياً، رغم أنها تكاد لا تلبس سوى البنطلونات والقمصان والسترات القصيرة. أحذيتها نظيفة دوماً، على كعوب متوسطة الإرتفاع.

في يوم صيفيّ حارّ، ارتدت فستاناً رُسمت على قماشه الرقيق ورود حمراء كبيرة. بدا منظرها منعشاً. قلت لها ذلك. كانت المرة الأولى التي أقول فيها رأيي بشيء يخصّها، وكانت تلك جلستنا ما قبل الأخيرة. 

يومها تكلّمنا عن الأولاد فسألتها إن كان لديها ابنة أو ابن. برقت عيناها لبرهة قصيرة ما لبثت بعدها أن أطفأت البريق تجنّباً لاختلاط علاقتنا "الموضوعيّة" بما هو شخصيّ، وأجابت بأن لديها إبنة في الثانية والعشرين، تعيش في لندن. حسدتها. لا السيّدة لينداو إنّما الإبنة. لا بدّ أنهما تتكلّمان في ما يزعج واحدتهما من الأخرى دونما اضطرار إلى تمويه العبارات والمراوغة في المشاعر. من قال إن رابط الدم كافٍ لأن نحَبّ أو نحِبّ!؟. 

مرّة لاحظت أن جلد كعب حذائها مخدوش. الخدش صغير بالكاد يُرى لكنه حرفني عن التركيز إلى حدّ التوتّر. لم أردها أن تعرف سبب تشتّت أفكاري فقررّت الخروج قبل انتهاء المدّة المخصّصة للقاء. 

منذ جلستي الأولى مع السيّدة لينداو راحت تأتيني أحلام مرعبة. الدبّ الأبيض رأيته في حلم بعد جلستنا الثانية. كان يقف في غابة محاطاً بأناس كثيرين. يقف أمام الشجرة والناس يتفرّجون عليه. بعضهم يغنّي والبعض الآخر يرقص أو يلعب بالكرة من حوله. لكن الجميع كانوا ينظرون إليه فيما هم يفعلون ما يفعلون. بعد برهة يضع الدبّ الأبيض يده في فمه، يدخل ساعده كله ويأكله. ينفر الدمّ منه ويتلطّخ فروه الأبيض به، لكنه يتابع نهش يده فيما بدا جسمُه مثبّتاً في الأرض. كان يرمق الآخرين كأن ليستشفّ منهم سبب عدم قدرته على الحركة. أتذكّر جملة قرأتها في رواية: "لا أحد سوى البلهاء يخبر الآخرين بأحلامه". 

اليوم أخبرتها أنني رأيت أنجيلا مِركل  في الحلم. رأيتها تحيك الصوف أمام باب الحمام الذي يستحمّ فيه جنديّ. لم يكن يلبس زيّاً عسكرياً بل كان عاريا تماماً، لكنّني كنت أعلم أنه جندي. كان يحدّق فيّ بعيون كأنها من زجاج. أنا أقف في زاوية المطبخ حيث تجلس أنجيلا مِركل مع سنارتَي الصوف بين يديها. أنا متشبّثة بقطعة قماش أشدّها إلى صدري، وأحدّق بالإثنين، فيما مِركل تتابع حياكة الصوف، غير مبالية  بالخطر الذي يشكّله ذلك الجندي البارد عليّ. كان ذلك في تموز 2006. أقول لآنّا لينداو إنّني أريد العودة إلى بلدي لأن أنجيلا مِركل  تفضّل ذلك الجندي عليّ. لينداو راحت تضحك وتقول إن أحلامي تشبه قصص الأخوين "غريم". 

لماذا لا تكتبين القصص؟، تقول لي. تبحثين عن مهنة محدّدة، هذه مهنة جميلة. اكتبي قصصاً. فكرة!، أقول لها. لكن الكتابة ليست مهنة محدّدة، ثم إنها لا تعيل. ممارسة مهنة لا تعيل، لا معنى لها. وإذا كتبت فلكي أتسلىّ وهذه مضيعة لوقت يجدر بي استعماله بحثاً عن عمل يعيلني. لا تفهم لينداو رغبتي الناشئة في أن أصير مثلها، معالجة نفسيّة. ليس حبّا بمعالجة الناس بل حبّا بالتلصص على حياتهم. إني دائماً هكذا، أميل إلى الأشياء التي لا تنفع. هناك الكثير من الأشياء التي تستهويني ممارستها لكنّها، كلّها، لا تنفع أحداً، أمّا ما ينفع فأمَلّ منه بسرعة. لماذا أنا هكذا، أسألها. تنظر إلي بعينيها الخبيثتين وتبتسم وتجيب: لا أدري، قولي لي أنت لماذا لا تحبين إلا الأشياء التي لا تنفع؟. لكنْ هل جئت إليها كي أقول لها رأيي أنا أم كي أسمع منها رأيها هي؟. على أيّة حال، بماذا ينفعني رأيها إذا قالته لي؟. لا شيء. إنه لن يغير شيئاً في حياتي. تشخيصها "بنيان بسيكولوجي ديپريسيف، مع ميول للهستيريا"، لم ينفعني، سوى أنني صرت، على الأقل بسيكولوجياً، موضوعة في خانة واضحة، وهذا ما أراحني بعض الشيء. فأنا ما زلت لا أستطيع أن أحدّد أهدافي أو هويّتي، إلا أنني، في الحدّ الأدنى، أستطيع أن أحدّد "بنياني البسيكولوجي". "خطوة أولى نحو الذات"، أقول لنفسي، وأنا أعرف أن لا معنى لهذه الجملة، ثم أستعدّ لمتابعة تحديد "مَن أنا" من دون السيّدة لينداو هذه المرّة. "عبث"، قد يقول قائل. وهل هناك شيء غير العبث في إنجاب الناس بعضهم البعض؟ كم هو مقرف هذا الشعور!. شخص يلِد آخر، ثم آخر يلِد آخر، ولكلّ واحد منهم "بنيان بسيكولوجي" معيَّن يُسجن فيه مدى الحياة، إلى أن تأتي النهاية. وإذا كان حظّك سيّئاً، فنهايتك قد تأتي على يدّ واحد من أقربائك، كما كاد أن يحصل لراينر المسكين.

لكن دعونا الآن من راينر. لقد قرّرت العودة إلى البلد الذي أتيت منه لا حبّاً به، بل اعتياداً على أخذ القرارات الخاطئة. 

حين استودعتها، غمرتني وكاد جسمها أن يلتسق بجسمي، كان دافئاً وطريّاً؛ لم أخله هكذا. في الحقيقة لم أخله موجوداً أصلاً. 

قبل أن أغادر برلين أرسلت إليها الكتاب والشال عبر البريد، مع بطاقة شكرتها فيها على اهتمامها بي، على رغم علمي بأن اهتمامها هذا هو لقمة عيشها ليس إلا. فليكن، أقول في نفسي. لا بد من شكر الآخرين على تحمّل الاستماع إليك، في أي حال.

Contributor
Chaza Charafeddine

Chaza Charafeddine (b. 1964) first explored the field of dance before turning to visual arts and writing. She taught dance in Switzerland and Lebanon. Between 2000 and 2007, she coordinated various exhibitions and artistic events for institutions such as the House of World Culture (HKW) in Berlin (DisOrientation 2003) and the Lebanese Association for Visual Arts, Ashkal Alwan in Beirut. Her novels, Flashback (2012) and Haqibatun Bilkadi Tura (2014), were published at Dar Asaq, Beirut. She has lived and worked in Beirut since 2007.

 

Post Tags
Share Post
No comments

LEAVE A COMMENT