RR

طيور سمعان خوّام: قبّلَتني في الحمرا واحتَرَقَتْ في المرفأ

* كُتبَ هذا المقال بعد أشهرٍ من انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، قبل الانهيار الكبير.

 

تمّوز 2019، على ما أعتقد.

كانت تلك المرّة الأولى التي اتّفقنا فيها، صديقتي وأنا، أن نخرج سويّاً بصيغة "المُواعدة". بطبيعة الحال، قصدنا الحمرا، فُقاعتنا. احتسينا كؤوساً قليلةً، ترامَينا أحاديثَ كثيرة، ثم قرّرنا، قبل انتصاف الليل بقليل، أن نتمشّى في الشارع الرئيسيّ. أذكر أنّنا مشينا بسرعة، وضحكنا بسرعة، ثمّ تسلّلنا شطرَ زاروبةٍ فيها واجهة زجاجيةٍ تلمع. شارعٌ مظلمٌ وضوءٌ مسلّطٌ عليها، وفي داخلها مجسّمات لطيورٍ صغيرة معلّقة بحبالٍ شفّافة. "هول عصافير سمعان"، وتبادلنا قبلتنا الأولى، صديقتي وأنا، وعصافير سمعان تحدّق بنا.

 


 

هو سمعان خوّام، فنّان تشكيلي سوري-لبناني، أربعيني، يرسم، وينحت، ويكتب شعراً، ويتواصل معنا عبر "الرجل-العصفور". أعماله تشبهه، بسيطة، وفريدة، وعفويّة :لا تقنيّات معقّدة لدمج الألوان، بل مساحاتٍ بسيطة مُقسّمة باتّزانٍ، تحمل كل بقعةٍ منها لوناً واحداً. لا استغراق في الالتزام بقواعد الأكاديميا، بل أسلوب فريد طوّره سمعان بنفسه ويمكن تتبّع تقلّباته عبر مراقبة الأعمال زمنياً ومقارنتها. لا ترميز معقّداً أو شخبطاتٍ عشوائية، بل أشكال واضحة ومباشرة رُسِمَت بشكلٍ تلقائيّ ومنسابٍ وعفويّ: طفل، شجرة، كرسي، عصفور، قطّة…

بالمناسبة، لسمعان قطّة سوداء، اسمها "كافكا"، ينشر لها صوراً دورياً على حسابه. قطّته أيضاً تشبهه، بسيطة وفريدة وعفوية. تلعب في المرسَم، تُراقب اللوحات، تقترب من سمعان فيحملها ويطويها بين يدَين ملطّختَين بالألوان.

بدأتُ أنتبه لأعمال خوّام عام 2018، عندما صار اسمه ملازماً لشخصيّة "الرجل-العصفور" (BirdMan)، كما عنوَن معرضه حينها. لم يكن المقصود، حصراً، رجلاً برأس طائر، ولا طائراً برأس رجل، علماً أنّه يظهر كذلك في بعض اللوحات. بل المقصود مزاجٌ عام/ مفهوم/ ثيمة مشتركة تتكرّر وتتضمّن شخصاً أو أشخاصاً وطائراً أو طيوراً، إلى أن تتمازج هذه العناصر بكل الطرق الممكنة.

يثير فضولي أولئك الرسّامون الذين صاغوا ذاتاً رديفةً لهم تعبّر عنهم (Alter-Ego). برعَ السرياليّون في هذا المجال، حيث اعتمدوا الذات البديلة كأساسٍ في أعمالهم، وهي الشخصية التي اختار الفنّان تكرارها، وكأنّها وجهه الآخر، يُسقطها على العمل فتعبّر عنه فيما يختبئ خلفها. في عالم الفن، يخرج هذا المفهوم من خانة السيكولوجي الصرف، ليصبح مفهوماً قائماً بذاته، يحظى أحياناً برواجٍ أوسع من رواج الفنان نفسه.

ربطاً بشخصيّة سمعان الرديفة، اعتمد ماكس إرنست نموذج "الرجل-العصفور" أيضاً، في معظم أعماله، ولاقى الرّواج الأوسع عام 1934، مع إصداره رواية "أسبوعٍ من اللطافة" السريالية، بعدما نشر "امرأة المائة وجه/ الامرأة البِلا وجه" (1929). سمّى إرنست رجله-العصفور "لوبلوب"، وبدأ لوبلوب يعبّر عن إرنست وذكرياته وطفولته والمكان الذي عاش فيه، أكثر ممّا يعبّر إرنست نفسه عن هذه الأمور. ثمّ بات لوبلوب هذا شخصيّةً قائمة بذاتها، يُصار التطرّق إليها في سياق تعداد الشخصيات الرديفة التي خلقها التيّار السّرياليّ، مثل مينوتور" بيكاسو أيضاً.

A Week of Kindness or the Seven Deadly Elements, Marx Ernst (1934)
A Week of Kindness or the Seven Deadly Elements, Marx Ernst (1934)

وعلى عكس التصوّر السائد للعصافير في الفن، يرمز لوبلوب إلى القلق والخوف والريبة. لكن ماذا عن التصوّر السائد؟ هو أنّ العصفور في الرسم يدلّل على الحرية والانبثاق الجديد، ويوحي بشيءٍ من الأمل والسعادة. هكذا هو رجل-عصفور سمعان.

غير أنّ رجل-عصفور سمعان لا يُطابق ذاك التصوّر فحسب، بل يتخطّاه حاملاً في الآن نفسه معنىً شخصيّاً يكتنز قصّة الرسّام بكاملها، بدءاً من طفولته وصولاً إلى حاله الراهن. تقول القصّة إنّ خوّام كان طفلاً يحبّ الصَيد، واعتاد أن يذهب ووالده دوريّاً إلى رحلات صَيد العصافير. كان سمعان صيّاداً ماهراً، واعِداً، وقد اصطاد ما اصطاده من طيورٍ؛ إلى أن تغيّرت نظرته من الطائر كفريسةٍ إلى الطائر كمحورٍ للاهتمام في الرسم، بعد مراجعةٍ ذاتية. واليوم: أرسم عصفوراً لكلّ عصفورٍ قتلته، يقول سمعان.

وباتّكائه بشكلٍ أساس على شخصيّةٍ رديفة، هي في حالتنا الرجل-العصفور، فضلاً عن اعتماده الأسلوب المَوصوف آنفاً، يتموضع سمعان في أجواء الفن الحديث: اختيار الألوان النقية المقسّمة وفق المساحات، ابتعاده عن الرسم الواقعي وتفضيله تكعيب الأغراض، كسر قواعد الظلّ والنور، مساحاته الثنائيّة الأبعاد، تجريبيّته في ما خصّ المواد والتقنيّات ودمج بعضها بالآخر، الخ.

تميل لوحاته إذاً إلى التكعيبيّة، بصيغةٍ أكثر "حداثةً" من التكعيبية “الكلاسيكية”. الأمر نفسه للمنحوتات، مع مَيلٍ أعلى صوب المينيماليّة والتجريد. ذلك أنّ المواد التي ينتقيها تفرض عليه ذلك (وهي بمعظمها علب سجائر فارغة ونتاتيف من أقمشة الرسم، من باب إعادة التدوير)، إلى جانب كثرة استعمال الأبيَض في المنحوتات، أو تطعيمها بألوانٍ "مَيّتة"، كالرمادي والبنّي والتُرابي.

هذه إذاً طيور سمعان.

أعمال فنيّة أليفة، تجنح صَوب التواصل، فتُجالس طفلاً هنا، وتتربّع على رأس صَبيةٍ تقرأ هناك، تحطّ على كتفك بينما تسقي نبتة الشرفة، أو ببساطة تُعلَّق في سحابة وتفقد الشعور بالجاذبية. تفكّر، تصفن، ترفرف بالقرب منك، تونّسك. هي طيورٌ لطيفة. طيور سمعان تشبهه، بسيطة، وفريدة، وعفوية.

عبرت السماء منذ لحظة ثلاثة طيور مستعجلة. هذه رتابة محببة لقلبي، سمعان خوام - 2021
عبرت السماء منذ لحظة ثلاثة طيور مستعجلة. هذه رتابة محببة لقلبي، سمعان خوام - 2021

لكنّ ذلك كلّه، كان قبل هجرة الطيور، قبل 4 أب.

لم يكن سمعان بانتظار هذه اللحظة لإدخال السياسة على أعماله، فهي كانت دائمة الحضور فيها. من مشاركته في الحراك المدني 2015 إلى انتفاضة 17 تشرين، وظّف سمعان فنّه في تزخيم الأنشطة السياسية وإعطائها هويةً بصريّةً مُحَدَّثة. لا يخفى على أحد أنّه ينطلق من موقفٍ راديكاليٍّ واضحٍ ضدَّ النموذج القائم، ويقوللا؛ هذا هو عَلَمه وشعاره، مكتوبٌ بالأسوَد على قماشةٍ حمراء.

بعد انفجار النترات في مرفأ بيروت، نشر خوّام أخبار العاصمة على حسابه بشكلٍ دوري، وأفصح أكثر عن آرائه: "كسم الزعيم"، وكل من تسبّب بما حصل. وبعد اغتيال لقمان سليم في الرّابع من شباط، رسم وعنوَن عدّة رسمات "اغتيال لقمان سليم".

بعد تلك اللحظة، اعتبر الرسّام أنّ المرحلة تتطلّب أن تحمل اللوحات عناوينَ مباشرة، غير مُجرَّدة ولا عامة، بل مواقف واضحةً نقديّة تُحدّد الموقع السياسيّ بالضرورة.

بهذه الخطوة، يعيد الفنّان الهوامش إلى الواجهة. غالباً ما كان يُعتَبَر العنوان من "الهوامش"، كاسم صاحب العمل، أو الشروحات الإضافية أو المراجع المُرفَقَة. غالباً ما كان يُهمَل العنوان على حساب مضمون النصّ نفسه. فما بالنا من ذلك في مجال اللوحات؟

اختار سمعان توسيع وسائط التعبير. القماشة لم تعد كافيةً. فكان لا بد من الاستفادة من إرفاق الصورة بكلمات، والاستفادة من توقيت النشر، الخ. فاللغة، بقدر ما تعجز عن التعبير عن واقعٍ مُعَقَّد، بقدر ما تحمل قدرةً على التأثير في مَلِكة الحكم والتلقّي لدى المُشاهد، سيّما إذا ما أُرفِقَت بمادةٍ بصرية.

"الاغتيال"؛ كلمة واحدة فقط، هي أفضل ما يُمكن أن يُكتَب في نقد الاغتيال. ثم تأتي اللوحة: عصافير تنهش جثّة. لم تعد العصافير هنا متّسقة مع التصوّر المُسالم لها في الفن. لم تعد عصافير سمعان لطيفة، ولا مُتأمّلة. لاحقَها المَوت، ولاحقَتهُ- تماماً كما حام المَوت، كطائرٍ، فوق مرفأ بيروت.

The Assassination of Loukman Slim, Semaan Khawam (2021)
The Assassination of Loukman Slim, Semaan Khawam (2021)

انفجرَ المرفأ وانفجرت معه كل طيور بيروت. أكثر من مِئتَي طائرٍ احترق ريشه، وآلافٌ أخرى جُرحَت. أعشاشها تمزّقت، وتهشّمت أحلامها على وقع الزجاج المكسور.

"6:08 بتوقيت بيروت، كنّا حزينين والآن أصبحنا أمواتاً".

هكذا علّق سمعان على الانفجار بعد أولى عوداته ما بعد الجريمة، يومَ نشر صورةَ منحوتةٍ فيها طيور لا لون لها، متراصّة واحدة فوق الأخرى بشكلٍ مريب، وكل أجنحتها ممزّقة؛ كأن نيترات الأمونيوم قد كدّسها جثثاً متداخِلة، حتّى بتنا نجهل أيّ رأسٍ لأيّ جسد. هكذا كنّا في 4 آب، 6:08 بتوقيت بيروت.

We Were Sad, Now We're Dead, Semaan Khawam (2020)
We Were Sad, Now We're Dead, Semaan Khawam (2020)

تأمّلتُ المجسّم. أدركتُ لاحقاً أنّ سمعان قد بدأ العمل عليه قبل الانفجار بأيّامٍ قليلة، ثمّ أتى الانفجار ليَحولَ دون إتمامه، مع ربعٍ سفلي غير مُنجَز. إلّا أنّ طيور المجسّم المُكدّسة والزّاعقة، أعادتني تلقائياً إلى لوحة بابلو بيكاسو –  لا غرنيكا (1937) التي تجسّد مجزرةً ارتكبها النازيّون يومَ قصفوا مدينة غرنيكا الإسبانية، والحيوانات تزعق فيها بفعل الخناجر. رائحة الموت نفسها تفوح من العمَلَين، ثورٌ وحصانٌ يصرخان هنا، طيورٌ تلملم أشلاءها، والدخان يطبق عليهم من بعيد.

هي مجزرة ارتُكبَت ضدّ مقيمين ما كانوا على علمٍ بما ينتظرهم، وانفجر كل شيءٍ حولهم. كل شيء.

أمّا في ما يخصّ عمل سمعان المذكور، فطيوره ليست بيضاء بقدر ما هي جافّة اللون. ربّما كانت ملوّنة في السابق، وامتصّ عَبقُ الانفجار ألوانها. صارت عارية، بلا ريش. ربّما نجد في زوايا مَرسَم سمعان ريشاً محروقاً متناثراً. كذلك هي غرنيكا بيكاسو، بلا ألوان، رماديّة وشاحبة، وكأنّ ثمّة من لعق الألوان عن القماشة ليشبع غريزة الدم والملح في صميمه.

الشبه بين العمَلَين المذكورَين ليس بالوجه فحسب، ولا حتّى بالمضمون. وجه الشبه، هنا، في الجملة التي كُتِبَت على الرصيف المحاذي لمرفأ بيروت: "دولتي فعلت هذا"… كان سمعان ممّن عارَضوا محو هذه الجملة على يد جمعياتٍ "لا عُنفية"، وتمسَّك بالتذكير الدائم بأنّ "دولتي فعلت هذا". هناك مسؤولٌ عن الانفجار، ولا يمكن تجهيل الفاعل.

كذلك، يُحكى أنّ جندياً نازياً ساءَل بيكاسو بعدما أنهى عمله، غرنيكا: "هل أنت من فعلَ هذا؟"، فما كان من بيكاسّو إلّا أن نكَرَ وأجاب: "كلّا، أنت فعلتَ هذا!"

اختلَفت أعمال سمعان منذ ذلك الحين ... نشر سلسلة طيور سوداء، أشبه بالفحم، كيوميّات بيروت. ثم رسمَ طيوراً بنيّةً ولوحاتٍ باهتة اللون. ثم كتب:

"كأنّي أصغي إلى المقطع الأخير من المقطوعة. أهوَ موسيقى؟ لا أعلم. أجسادنا الفارغة كعلب تَنكٍ يمزّقها الرّصاص".

بعد أسابيع، لاحظتُ عودةً فجائيةً للألوان إلى أعمال سمعان. كانت لوحةَ شخصٍ ملوَّنَ الرأسِ بشكلٍ غريب، كنزته حمراء، ويحمل بيده عصفوراً أزرقَ مُزيّناً بالبنّي. فرحتُ لهذه العودة، لا سيّما وأنّ عشرات اللوحات الملوّنة قد تَلَتها. علّقتُ عند سمعان مشيراً للموضوع، فما كان منه إلّا أن أجاب: "كلّما وضح الحزن، كانت الألوان أوضح

اكتفى بهذا الجواب، وتفكّرتُ به لبرهة. إنّما ما لم يكن واضحاً، هو جواب السؤال الذي حاصر ذاكرتي ومخيّلتي معاً: أصارَ واجباً علَيَّ الآن، كلّما صادفتُ طيور سمعان، أن أتذكَّر "الطيور" التي قتلها الانفجار، أم قبلة شارع الحمرا؟

 


 

ثم أمعنتُ النظر بعصفورٍ آخر لسمعان، جسده أسود ورأسه ناشف اللون، كان قد نشره سابقاً على حسابه وأضاف إلى جانبه شعراً من كلماته:

في الخارج بدأ الهواء يبرد
البناء المُتعب يسند نفسه
على امتداد الدرابزين
أسمع أغنية لطيفة الآن
عصفور يدور حول
شبابيك الأزقّة المُقفرَة
السماء هاجَرت هنا
ولا أطفال تلعب هنا
مثلما يعرف الجميع
مثلما يعرف الجميع
سيموت العصفور
على سطح البناء
وهو يستمع إلى أغنية لطيفة
مُعادة مكرّرة تقول:
في الخارج بدأ الهواء يبرد

في الخارج بدأ الهواء يبرد...

Contributor
سمير سكيني

سمير سكيني، كاتب وصحفي في بيروت، له يد في الفنون ويد في السياسة. تنقّل بين اختصاصَي الهندسة المعمارية والفلسفة في الجامعة اللبنانية، قبل أن يرسوَ في عالم الصحافة. نشر عدّة مقالات ومساهمات حول مواضيع اجتماعية- نفس اجتماعية- سياسية- ومتابعات للنشاط الطلّابي في لبنان، وذلك في عدّة مجلّات ومواقع. صدر له كتاب «الأقحوان ينبت في الشيّاح» (2018) وكتاب «نهار أحد» (2020)، عن دار الفارابي.

Contributor
سمعان خوام

سمعان خوام فنّان تشكيلي لبناني سوري، متعدّد التخصّصات وقد علّم نفسه بنفسه. شارك بأكثر من 30 معرضاً جماعياً في لبنان والبحرين والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا ونيويورك وسنغافورة وإيطاليا وتايوان والأردن. أصبح معروفاً مؤخراً باسم "بيردمان"، وهو لقب مستوحى من تصاميمه المتكرّرة على شكل طائر، بالدلالة على أناه- الأعلى ورفيق دربه. بالنسبة لخوّام، يرمز الطائر إلى الحريّة، كون الطيور تعيش بلا حدود وتهاجر حسب الطقس نحو الأماكن الدافئة، وهي تفعل ذلك بسهولة وحريّة، على عكسه. يستوحي خوّام أعماله من حياته اليوميّة في لبنان، متأرجحاً بين اللوحات والمنحوتات والجرافيتي والمسرح و/ أو كل ما يقوده قلبه إليه.

Post Tags
Share Post
Written by
No comments

LEAVE A COMMENT