RR

حواسُّ الجثّة

#1

نداءان

 

حين عرفتُك، كانَ الله ولدًا صغيرًا

يصطادُ ذئابًا ترعى الزّجاج عن ركبتيّ

ويعلّمها العواءْ

والكونُ مشطَ زجاجٍ كانْ

منغرسَ الأسنانْ

في جمجمةِ عجوزٍ خرساءْ

كسّرهُ صوتُ غناء

ذئابٍ ابتلعت حناجرَها الوديانْ

فتشظّى، حين عرفتُك، فوق ركبتيّ

قلتُ:

تعالَ إليّ

وكان الوقتُ قِرطَ زمرّدٍ في شحمة أذنٍ صمّاء

يَقطُرُ فيها خيطُ بكاء

والآن

يتخثّر اسمُكَ في فمي

قطرةَ دمٍ صفراء.

.....

رأيتُـ

-فيما ترى حدأةٌ شَرودْ

عالقةٌ بين صحراءٍ وانعكاسِ رمالها في لهيب السّماء-

ـكَ

رأيتكَ

تنتسلُ اخضرارَك من رحم العشب

المُغطَّسِ في مخاضِ النّدى

وتقصُّ حبل السّرة المعقودْ

حول اسمك الرعويّ 

فاستعرتُ، 

في الظهيرة الأولى،

حناجرَ الظباء

لأناديك

وعند المساء

افترسَ صوتي قطيعُ أسود.

استعرتُ، 

في الظهيرة الأخيرة،

قوائم الغزلان

لأقفزَ في مراعيك

وعند اتّجاهِ القمر نحو منازل الضّياء

السبعةِ الحمراء

هاجمتني الفهودْ

والآنْ

تعقِدُ الغيلانْ

خرزًا أزرق في خيوط دمي 

وتسقي صغارَها 

رضابَ اسمك السائل 

على زوايا فمي.

 
 

#2

مرثيّة

 

يتّسعُ هذا الحلم

مثلَ عينٍ مثقوبة

تُرى داخلها الأشياء

يعبُرُه سربُ بناتٍ يعرُجُ في السّماء

بجناحِ فراشةٍ منفرد.

هناك، تُلوَّن المناقيرُ بلون القشّ

المسقيّ بماء الزئبق

قبل أن تلتقطَ حبوبَ القمح

المنثورةِ بين الدّموع

التي تغادِرُ ثقبَ العين

إلى أين

لا شيء يعودُ من الحلم

ولا حلمَ يعودُ بشيء.

صورٌ ملوّنةٌ

تتزاحمُ في العماء

 
 

#3

صوتك

 

ثابتٌ

رخامُ الأحصنة والفيلة

فوق رقعة الشطرنج

وأرغفةِ الخبز 

وأضواءِ السيّارات القادمة من وراء المطر

والرموشِ الاصطناعيّة الرّابضة على أجفان الوقت

وأنا وأنت

وعرانيسِ الذّرة المرّة

وأغطيةِ الأسرّة

والمقابرِ التي دفنوا بها الليلة جثّة الموت

وخطى كلِ من جاء ومن ذَهبَ

أو ابتعدَ أو اقتربَ

ثمّ يهبط ُصوتك المنحوت في قمم الجبال

لينفضَ هذا الغبار

المتراكم

على مربّعات اللعبة

 
 

4#

أمدُّ يدي

 

أمدّ يدي إلى صدرهِ

وأَخرُج صَدَفَتين

واحدةً تُخاطُ عينًا للقطّة العوراء

— صُدفَةً يموءُ البحر 

والأخرى تسدُّ ثقبًا يتسرّبُ منه الرّمل في حلقي

— صُدفةً يموج البحر —

متّسعةٌ ياقة قميصه

لشدّ ما خفق تحتها الماء

على أنفاس بوسيدون

في هجير النّهار

أمدّ يدي إلى صدره

وأصعدُ خيط مطر حارّ 

من غيمة سابحة في خلجانه

إلى كوكبٍ سابحٍ في مدارات تغزل صوف الفضاء 

تبتلُّ السّفينة الورقيّة الصّغيرة

المُبحرة في برتقالة المساء 

بدمعةِ طائرٍ 

يودّعُ اليابسةْ

والعيون العابسةْ

نحو عُشٍّ معلّقٍ على غصن ذابلٍ في السّماء

برتقالةِ المساء المقشّر

بريشةِ الطائر المنتوفة

وأظافره المعقوفة

ودمعته الملهوفة

أمدُّ يدي إلى صدره

ويحرق الملحُ جرحَ أصابعي

قابضةً على الأصداف

والأماني الخِفاف

تحمرُّ تجاعيد المياه

وأسمعُ في أعماقها لونًا يتردّدُ صداه

بين منحدرات البلل وأطراف الجفاف

تتصاعد أنفاس الجثث المتعلّقة بحوافِّ

سفينةٍ ورقيةٍ صغيرة

أديرُ دفّة المركب

نحو سمكةٍ تتلمّظها شِفاه

ذئبةٍ تعوي في العرق اللامع فوق جباه

يسوعٍ يركض مع أغنامه على صفحة الماء 

المسطّرة بحبر أسود

تحرسه ذئبة سوداء

تنتحرُ بتلمّظ سمكة حجريّة

عائدةْ

إلى زفرة بوسيدون الصاعدةْ 

من جدران المعبد

القائم حول قبره

أمدّ يدي المعدنيّة

إلى صدره

الرّطب

فتصدأ

ويجمعها بحّارة الخردة

يبيعها النّخاسون

للعفاريت والمَرَدة

أمدّ إلى صدره

يدي الحرّة

يدي العبْدة

إلى قوافل صدره الممتدّةْ

غافلةً

أمدّها ومستعدّة

إلى خفقات قلبه المشتدّةْ

نافذةً يدي حينًا

وأحيانًا مرتدّة

إلى شواطئ صدره الهادئة وإلى 

حروب مياهها المحتدّةْ

Contributor
ملك عفونة

كاتبة ومترجمة ومحرّرة من فلسطين. حاصلة على ماجستير في الأدب والفلسفة من جامعة ساسكس. عضو هيئة تدريسية في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت.

Post Tags
Share Post
Written by

<p dir="rtl" style="text-align: right important!;">كاتبة ومترجمة ومحرّرة من فلسطين. حاصلة على ماجستير في الأدب والفلسفة من جامعة ساسكس. عضو هيئة تدريسية في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت.</p>

No comments

LEAVE A COMMENT