RR

البحر لوحةٌ، واسع وهادئ كأنّ لا موج فيه. كل شيء يتحرّك من حوله إلّا هو. لكنّي أشعر بكل نسمة هواء. ببرودة المياه. أشمّ رائحة الملح، وأتذوّقه على شفتَي. أقف في وسط هذا البحر، كأنّ لا عمق فيه. أنظر إلى رجليّ، فأرى السمك يسبح حولهما، ثم أرى انعكاسي، مبعثرة الوجه. جامدة. أتيتَ من الخلف، وضعتَ يدك على كتفي. نظرتُ إليك. وجهك هادئ تماماً كهدوء هذا البحر.

سألتُك: متى آخر مرة بكيتَ؟

أخرجتَ من جيبك قطعة من الزجاج، أمسكت يدي ووضعتها فيها. هربَ السمك، ثمّ انفجر البحر.

استيقظتُ.

في حلمي انفجر البحر. بل بيروت، مجدّداً. لكنّها في حلمي كانت تحت البحر، غارقة. ماذا تفعل بيروت تحت البحر؟

 في حلمي انفجر البحر لكنني أشعر أنه في انفجار مستمرّ، في اصطدام دائم. الموج والصخر، دائماً. والموج ملح، طعمه ورائحته وملمسه ملح. الملح لعنة البحر الأبدية. وبيروت غارقة في لعنة أبدية.

الإثنين 25. الثلاثاء 26. الأربعاء 27. الأحد. 1...أكره مفكّرتي، أكره تناسق الأسطر فيها واستقامة خطوطها. حين أكتب عليها، أبعثرها. ألوّنها. محاولة لطيفة لكسر رتابتها ومللها. جميع الأيّام تتكرّر. جميع الأرقام والأشهر. لكنّي لا أستغني عنها.

آب. 4؟ 8؟ 8. كنّا في أزمة كورونا. أيّ شهر؟ سأبوح لك: لا أتذكّر. نسيت. أحياناً أقول انفجار بيروت وأسكت. لا أعرف اليوم. لا أعرف حتى الشهر. عادة مفكّرتي تسهّل الأمر، تغنيني عن الغوص في ذاكرتي. لكنّي لا أبحث عن الشهر ولا اليوم. هل تعرف الآن لماذا أكره مفكّرتي؟

في الصباح التالي للانفجار، اشتريت مكنسة  بسبع تالاف ونزلت إلى الشارع. رأيت نفسي كثيراً، في كثير من واجهات الزجاج والمرايا. أذكر تعدّد انعكاساتي وانتبهت جيدّا إلى أن في جميعها خدوشاً وانكسارات. غريب أن تنتبه إلى جزء واحد من نفسك فقط، كعينك مثلاً، أو يدك. كانت المرّة الأولى التي لاحظت فيها أنّ للزجاج صوتاً. في الصباح التالي للانفجار كاد أن يكون الصوت الوحيد المسموع من شدة علوّه. كأنّ بيروت لم تكن سوى كومة كبيرة من الزجاج. كيف تكنّس كل ذلك؟ أين تضع كلّ ذلك الزجاج الذي فات أوانه؟  بعضه ملطّخ بالدماء، فأين تضع الدماء؟

"فيني إتصوّر معك؟" قالت لي.

"أكيد."

لا مش أكيد. لكنّي لم أقل ذلك للغريبة في الفستان الأزرق. بإبتسامة محبّة كانت تنظر إليّ. تريني الصورة. نظرتُ إلى نفسي في الصورة مجدّداً. من أنا؟ لم أرَ سوى فتاة محجّبة مع مكنسة حمراء ونصف إبتسامة. لم أكن ممثلة أو مغنية مشهورة. لم أكن أحداً بالنسبة لهذه الفتاة سوى غريبة محجّبة. بسؤال يتيم تمكّنتْ من إلغاء إنتمائي، من جعلي أشعر أنني في مدينة ليست مدينتي. بسؤال واحد ذكّرتني أن حجابي قد ينتمي لمناطق أخرى من بيروت ليس أكثر. وظنّت هي أنها تكافئني على خدماتي، أنا الزائرة، بصورة. تمنّيت لو تختفي هذه الصورة بدلاً من جميع الصور التي دفنها وأخفاها الانفجار.

في منزل رجل مسن، وجدتُ إحداها تحت الركام. هو، شاب وسيم بدون نظاراته. هي، واقفة قربه لكنّي لا أذكرها. قلبت الصورة. بيروت، السنة –19. حين أعطيته إيّاها، إبتسم، ثمّ نظر إليها مطوّلاً، أكثر مما ينبغي ليتعرّف الشخص على صورته. كأنه نسي أمرها تماماً، كأنه ينسى، مثلي.

في حلمي أيضاً كنتَ أنت. وهدوء وجهك. حين رحلتَ بقيت كراسينا على الشرفة، وبقايا ورق. ماذا لو تأتي وتجلس معي على فنجان قهوة قليلاً؟ فجدّتي تبحث عن حرف اسمك. بتمعّن تراقب الفنجان، بكلّ جديّة تحاول التقاط أحد أشكال الحروف.

"طريقك مفتوحة"

"في جَمعة بأرض البيت"

"في سمكة بالفنجان"

سمكة؟ يا حرام أقول لنفسي، سمكة عالقة في فنجان من التفل. تترك البحر كي تسبح في فنجان؟ لعلّها تقي نفسها من لعنة البحر الدائمة. "السمكة رزقة" تقول. كيف يمكن لهذا التفل المملّ أن يحمل مستقبلي ومصيري؟ يذكرني باللون البنّي الغامق، بالتراب اللعين. باللحظة التي رُمي هذا التراب على وجه جدّي الذي لم يُكشف لنا في قبره خوفاً من عدوى الوباء. هل يبقى المرض في جسد الميّت ليمنعنا من رؤية الوجوه، فننساها؟ وحتى إن رأيناها، فهل سنذكرها حقّاً؟

كنت حريصة جدّاً أن أضيف ألف لام التعريف على اسم جدّي حين كتبت النعوة. اسمه الهادي وليس هادي. كان ينبّهني على ذلك كثيراً، وأنجزت الملاحظة بنجاح. لكنّي في الوقت ذاته كنت أمنع نفسي من أن اُخرج المفكرة، وأكتب في خانة شباط 5، 2021 "جنازة". أمنع نفسي من أن أكون بهذه السخافة.

لا يمكنني أن أتذكّر. أيّ موت سبق الآخر، موت جدّي أم بيروت؟ أيّ من الانفجارات كان سبّاقاً، أي من الأمراض؟

هلّا تأتي قليلاً، تجلس بقربي، تمسك معي فنجاناً من القهوة، وأحدّثك. أمس حلمت أنّني شجرة رمّان مُزهرة في حديقة بيت جدّي. حلمت أنّني رأيتني، فتاة صغيرة أصعد عليّ، أكسر أغصاني، أقطف الزهر عني. حلمت أنّ جدّي أتى، سقاني، صعد على أغصاني أيضاً. وشعرت به، كأنه يحضنني، يلملم الرمّان عني، يقشّره وعصّارة الرمّان في يديه. أريد أن أمسك يديه وأقبّلها، أن أنزع التراب من أطراف أصابعه. أريد أن أنزع كلّ التراب عنه. لا تراب على جسده. في المستشفى كان السقف مشهده الوحيد لأكثر من أسبوع. لا أحد سواه. هو والسقف. كأنه لم يُنجب أكثر من أربعين حفيداً. لم يرَ النهار أو الليل. لم يكن لديه مفكّرة. كيف احتسب الأيّام أسأل نفسي. أم لم يفعل؟

اسمعْ.

حين وضعت يدك على كتفي ثم سألتُك: متى آخر مرة بكيت، وأعطيتني قطعة الزجاج. فتحتُ يدي ووجدت أن القطعة اخترقت جلدي. رأيتُ الدم يخرج من يدي ويلوّنها بالأحمر.

وقعت قطرة دم في المياه.

فأجبتني: لا أعرف. لا يمكنني أن أتذكّر.

هربَ السمك الأحمر، ثمّ انفجر البحر.

Contributor
Sarah Safieddine

Sarah Safieddine is an aspiring filmmaker and writer. Sarah is interested in directing short films and in contemporary arabic literature. In her other world she's a dietitian and personal trainer.

Share Post
Written by

<p dir="ltr" style="line-height: 1.38; margin-top: 0pt; margin-bottom: 0pt;">Sarah Safieddine is an aspiring filmmaker and writer. Sarah is interested in directing short films and in contemporary arabic literature. In her other world she's a dietitian and personal trainer.<span id="docs-internal-guid-8b2b560a-7fff-f0db-d326-dcd1f356ec56" style="caret-color: #000000; color: #000000; text-size-adjust: auto;"></span></p>

No comments

LEAVE A COMMENT