RR

بيروت البحر

قبيل شروق الشمس، أستيقظ عندما يراوغ الخيط الأبيض لكسر سواد سماء اللّيل. أرتدي ملابسي الرياضية ثمّ أتناول تفاحة لأقضمها خلال نزولي من شارع بلس نحو الكورنيش. أبدأ الصّباح بالهرولة بين وفودٍ من الناس أتت لتقف مع بيروت في استقبال شروق شمس يوم جديد. أنطلق من محاذاة "عامود الجامعة" ثم أتّجه شرقًا. الجميل في صباحات البحر تلك، طقوسها. العلاقات الاجتماعية الصاخبة، والكلام والتسامر اللّامنقطع كأنّه منذ الأزل، وصوت الموج. بدايةٌ صاخبة مليئة بالحياة، فلا تنفك تسمع السلامات وتحيّات الصّباح بين روّاد الكورنيش.لا تتوافق هذه الصباحات مع تجربة استقبال الشمس واليوم الجديد في مدن أخرى، فتجربتي مع هذه الصباحات في مدن أوروبا تقتصرعلى من استفاق بهدوء ومن استحضر الصّمت حتّى ساعات من شروق الشمس. طقوس الصباح في بيروت تُستقى من الموج وصخبه بينما صباحات المدن الأخرى تبزغ بهدوء مع الشمس حيث لا بحر ولا موج.

أركض مرورًا بمرفأ الصيادين عند عين المريسة، تزداد السّماء نوراً والجوّ حيوية بتوافد المزيد من الناس. يقصد البحر صباحاً رجال ونساء، منهم مواظبٌ على الرياضة فيقصد الكورنيش للمشي والهرولة أولللسباحة مع البحر.  فمع الفصول، لا تقف درجات الحرارة المتدنيّة عائقاً أمام روّاد البحر والسباحة بين الأمواج. عند المرفأ أستذكر أسطورة الراهبة الإيطالية "الريسة" التي ورثت "عين المريسة"، عبر تجاذبات الزمن، اسمها منها؛ تلك "الريسة" التي عبرت البحر مشياً على سطحه، لتتّخذ المكان مسكناً لها وتعلّم الناس وتشفع لهم. هكذا أستذكرها كما في رواية رحلة غاندي الصغير ل "إلياس خوري".

أتابع مراوغاً بين الناس، أركض بمحاذاة السان جورج، ألتفت نحو اليمين، إلى مبنى "الهوليداي إن"، المبنى الصّارخ من حقبة الحرب الأهلية. ثمّ أكمل بالقرب من خليج الزيتونة حتى ألاقي البحر من جديد وصولاً إلى نهاية الواجهة البحرية حيث أجلس وأقصد بعينيَّ جبل صنين والهالة الصفراء من حوله. أنتظر بزوغ الشمس من خلف الجبل، وأفكّر في كيف أنّ تجربة الركض على الكورنيش يمكن أن تكون تجربة اجتماعية، ثقافية رياضية، وتاريخية في آن. أو أقلّه تجربة تجمع بين اثنين من هذه العناصر. 

بانتظار الشمس، أشخص بالنّظر نحو الأفق. البحر أفق أبدي، لا ينتهي. ركيزة إن ضاق صدر امرءٍ أو ضجت أفكاره. في انفتاحه أسرار تفتح الذهن وتسرج الخيال، والنظر إليه متعة تريح البال والخاطر. يخطر في بالي الكثيرون ممَن مررت بهم منذ قليل، الذين قصدوا مدى البحر بصمت، يُخبرونه عن أشغالهم وما يدور ببالهم، يرمون فيه همومهم وأفكارهم ويردّ البحرهادراً بالموج متكسّراً عند الصخور. ثمّ أدير رأسي وأنظر نحو صنين مفكراّ في أنّ البحر حدٌّ مفتوح يساع كل الأفكار والوجوه.

أخيراً تظهر الشمس من خلف الجبل، وببطئ تلون البحر بالأصفر والبرتقاليّ، هي نفسها ألوان الغروب التي اعتادها معظمنا، لكن لألوان الشّروق سحر، ففيها روح النهار الجديد. أنتظر حتّى تشرق الشمس كاملةّ، ثمّ أعطيها ظهري وأرجع مهرولاً من حيث عدت. قصدت أحد المقاهي عند البحر في رحلة العودة. أفكّر في أنّ بيروت قد دمّرت مراراّ بزلازل سوتها بالأرض وغمرها البحر، وذلك في حقبات متباعدة. لتستمر المدينة من بعدها وتزدهر وتنمو، إلى أن يضربها زلزال جديد ويقدمها للبحر. كأن بيروت كانت قرباناً يقدم للبحر ليحتضن رفاتها بين موجه بين الفينة والأخرى. ثمّ فكرت كيف أن ركام بيروت بعد الحرب الأهلية قد قُدّم للبحر أيضاً، فدمارها والكثير من أبنيتها قُدمت للبحر وردمت فيه، فصار ركام المدينة واجهتها البحرية. بيروت سقطت أضحية في بحرها نهاية القرن الماضي. فلنأمل أن يرضى البحر بالأضحية وأن يبعد سخطه عنّا إلى حين.

ثمّ أعود إلى دربي، أرجع إلى حيث جئت لأبدأ نهاري، مدركًا أنني سألتفت إلى البحر حتمًا خلال يومي لأستريح من عملٍ أو ربما مللًا، ومدركاً أنّ تجربتي في بيروت لا تكتمل من دون البحر. 

عائداً أمرّببيروت الحرب، بيروت أضحية الأرض للبحر. أمرّ بنسيج بيروت الاجتماعي، نسيج يغسل بماء البحر مع كل شروق شمس. أمرّ بالصيّاد العائد من البحر، بالعائدين من أولمبياد النهار، أمرّ بمن استرسل بالبحر وموجه رفيقًا في الصباح. أعود وأنا على يقين بأن للبحر خيط يربطني فيه وأنّ للبحر في بيروت نسيج يجمع الناس ويربط الحاضر بالماضي تاركاً أفقًا مديدًا للمستقبل.

Contributor
Mohamad Issa

محمد عيسى طالب في الجامعة الأميركية في بيروت حيث يدرس الهندسة الكهربائية والكمبيوتر. لديه شغف للأدب العربي الحديث.

Post Tags
Share Post
Written by

<p dir="rtl" style="text-align: right !important;">محمد عيسى طالب في الجامعة الأميركية في بيروت حيث يدرس الهندسة الكهربائية والكمبيوتر. لديه شغف للأدب العربي الحديث.</p>

No comments

LEAVE A COMMENT