RR

اسمعني يا رضا

"Alexandria, July 1981" by Joy Amina Garnett

الفصل السادس من الرواية الغير منشورة "اسمعني يا رضا" – سارة صفي الدين

 

-6-

عندما كنت صغيرة كان عندي غرور شديد. أبي كان السبب، هو كان يحبني كثيرا لدرجة جعلتني أتعدى ثقتي بنفسي إلى الغرور. كان يقول لي بالحرف "أنتي أجمل بنت بالعالم"؛ وأنا كنت أصدق ذلك وأتصرف على هذا الأساس. عندما قال لي أنه أيضا يعتبر جدتي من الأجمل بالعالم صدمت! كيف لها أن تحتل مكانتي ولقبي؟ لا أقبل أن يشاركني أحد هذا اللقب! ما زلت أذكر أنه صار يضحك عندما رأى ردة فعلي. صار يضحك وأنا لم أفهم. الآن بينما أتذكر أصبحت الأمور أوضح. أذكره كيف كان جالسا مربعا على سرير كبير وأنا بينه وبين أمي. أذكر الشباك الكبير قرب السرير. وأذكر النور الذي كان قوياً جداً لدرجة جعلتني أرى وجه أبي شديد البياض. يومها بكيت. ظللت أبكي حتى قال لي أبي أنه كان يمزح معي. ثم بعد وفاته نسيت! نسيت بأني أجمل بنت بالعالم، ولم يعد أحد يذكّرني بذلك.

 لهذا السبب استغربت في ذلك المساء يا رضا. في المساء عندما همست تلك الجملة في أذني. أتذكر مساءنا البيروتي ذلك؟ عندما كنّا لا نزال ننبهر بأضواء هذه المدينة ؟ كنت مبهورة بوجودنا أنا وأنت مع الضوضاء التي من حولنا على طريق شارع الحمرا. شارع الحمرا الرومانسي والشعبي لدرجة أن كتفك سيلامس كل من يمر بجنبك لكثرة الناس، رومانسي لدرجة أنني حتى الآن عندما أذكره يغلب على تصوّري اللون الأحمر فيه. أنا متأكدة أن الذي سماه لم يعرف أن لونه سيكون أحمر، حظّه جميل. اسم على مسمى. نمشي فيه ولا أحد يكترث فينا. وليزداد ذلك المساء رومانسية كانت تمطر مطرا خفيفا. لم تنظر إليّ كثيراً يومها، كنت شاردا طوال الليل فقط كأنّك تحاول أن  تستمع إليَ. وأنا شعرت أنَي أكلَمك ولا أكلَمك، كنت قد بدأت أغضب وكنت على وشك معاقبتك بصمت طويل منّي إلى أن فجأة نظرت مطولاًِ في عينيّ وقلت لي أنّني أجمل بنت في العالم. سامحتك، فقد استعملت جملة عتيقة. ومع أنّها ذكرتني بغروري، نسيته. لم أعرف أنك قلت تلك الجملة فقط لأنك تعرف ما عليك أن تقوله. وبما أنّها كانت عميقة جداً في وجداني، ظننت أنّها نبعت من عمقك ووجدانك أنت أيضا. وبعد ذلك أنا لم أكرر غلطة نسيان أني أجمل بنت بالعالم، ولكن أنت الذي نسيت! أمّا أبي فلم يكن ينسى. 

تكرّرت مشاويرنا إلى الحمرا وبيروت؛ كانت هذه المدينة تملأ عيني. وعندما استعمل هذه العبارة فأنا أعنيها. بيروت كالمياه كانت تصب في عيني! وعيناي كانت تساعها، فصارت بيروت عسلية. كلما عشت ذكريات فيها تمتلئ وتكبر البركة. عندما صرت تبعد عني يا رضا، صارت تطفو بيروت من عينيّ  ولونهما صار يخفّ، فظنّت جدتي أنّني كنت أبكي! لذلك صرت أنام كثيرا؛ لكي أغلقهما وأوقف تدفق ذكرياتي. أنام لكي أنسى.

أصبحت أحبها، هذه المدينة العجيبة. فتاة الضيعة حتماً ستنبهر بالمدينة عندما تسكنها. سحر البدايات. حتى جدّتي إلى اليوم تحكي لي عن "لما كانت تنزل عبيروت". كانت تحذف مشاويرها مع جدّي وأنا أشكّ بأن قصصها ناقصة. أنا أعرف أن قصص الحب بين أجدادنا وآبائنا تصل إلينا غير كاملة. نحن دائما صغار بالنسبة إليهم لنعرف ما كان يجري، لذلك يخبؤن الحكايا فنظن نحن أن حكايتنا هي الأجمل ولا نعرف أنها كلها تشبه بعضها. أنا كنت ألحّ على جدتي حتى أخبرتني قصة السينما، قالت إن جدّي اشترى لها تذكرة لفيلم.

 -" رحنا عهيدي السينما اللي حد كنيسة اللعازارية يا ستي."

-" هيدا المبنى اللي شكلو غريب هيك بيضاوي؟"

-"قريب...بعدو هالمبنى يعني؟"

-"هوي الوحيد اللي بعدو، بس مهدم ومكسر…"

جدّتي لم تعد إلى بيروت بعد الحرب الأهلية، لذلك تفاجَأت عندما أخبرتها أنَه أغرب جسم من الباطون  في بيروت. كأنّه وقع من السماء فجأة على وسط بيروت … أم أن بيروت هذه هي التي وقعت عليه؟! لا يهم، لكنّه يذكرني بجدتي، ويذكرني بأن هذا المبنى كان فيه بدايات لم تروَ. بدايات كجدتي وجدي. بدايات كأنا ورضا. عندما أسأل جدتي عن الفيلم الذي شاهداه معاً تقول أنها نسيت. طبعا ستنسى! هي ستنشغل بجدّي الجالس بقربها. لم تحكِ لي التفاصيل ولكنني سمحت لنفسي أن أتخيّل كل شيء. جدّتي الصبية الخجولة، ابنة الضيعة في مدينة كبيرة مع خطيبها الذي لا تراه كثيرا حتى لا يتكلم عنها أهل الضيعة. جدتي بشالها الأبيض الذي حاكته بيديها من أجل هذه المناسبة ترمي نظرات حب على جدي. وهو بكل احترام يفتح لها الأبواب ويشتري لها الورود، يعيدها باكرا إلى منزل خالها، وقبل دخولها يعترف لها بحبه، لأنه لم يكن ذلك لائقا منه إلا بعد خطبتها. 

هي بعد زواجها انتقلت إلى بيروت كما فعلنا أنا ورضا. أصلاً جدتي رقية التقت بجدي محمد في الضيعة مثلنا أيضا. في حفلة عرس، رآها محمد من بعيد. صبية تدبك برشاقة وترافق الموسيقى ببراعة بالرغم من أن الشّال الأبيض على رأسها يربكها. تقول جدتي أنّه طلب منها أن تدبك معه فرفضت. هكذا نحن النساء، أو بعضنا على الأقل،عندما يعجبنا أحدهم من شدة الخجل نصده! 

"هلأ خلص ما بقى نسمع أغاني وندبك قدام الرجال يا ستي، حرام."

بعد كل قصة من قصصها، التي لا تحكي لي عنها حتى ألحّ عليها كثيرا، تقول لي هذه العبارة. أنها لا تسمع الأغاني ولم تكن تسمعها كثيرا عندما كانت صغيرة. 

"شو يعني بدك تقنعيني إنو ما كنتي تسمعي أم كلثوم…وأسمهان وفريد الأطرش وفيروز؟!"

تسكت وتبتسم. ظلّت تسكت وتبتسم سنين طويلة حتى سمعتها تغني لأسمهان "امتى حتعرف"  وهي تجلي الصحون في المطبخ. لم أقل لها شيئا، فلتنفرد بذكرياتها. هو نفسه صوتها الذي أسمعه عند الفجر في كل صباح. صوتها الذي تقرأ فيه القرآن بعد الصلاة. جدي أيضا يقرأ بصوت عالٍ على الشرفة في الضيعة. صوتهما كان يحببني بالاستيقاظ. عندما توفّي جدّي اختنق صوت جدتي، فصارت تقرأ بصوت ضعيف. شعرت بغربة الفجر.

 لم أكن أعرف أن للفجر غربة. في الواقع لكل شيء غربة، حتى للمدينة المبهرة يا رضا. فأنت مع الوقت أصبحت تشبه بيروت، أراك في كلّ ركن فيها، في الورود التي في يد أحد المتسولين، على مقعد أحد المطاعم، قرب بائع الجرائد… وهي كانت تعجبني بدون شيء، فكيف عندما أصبحت تشبهك يا رضا! لكن عندما غبت، غابت عنّي هي أيضا.

Contributor
Sara Safieddine

سارة صفي الدين طالبة في الجامعة الأميركية في بيروت حيث تدرس علم التغذية وفي الجامعة اللبنانية في مجال السينما والتلفزيون. إنها مهتمة بانتاج الأفلام القصيرة وبمطالعة الأدب العربي المعاصر.

Post Tags
Share Post
Written by

<p dir="rtl" style="text-align: right !important;">سارة صفي الدين طالبة في الجامعة الأميركية في بيروت حيث تدرس علم التغذية وفي الجامعة اللبنانية في مجال السينما والتلفزيون. إنها مهتمة بانتاج الأفلام القصيرة وبمطالعة الأدب العربي المعاصر.</p>

No comments

LEAVE A COMMENT