RR

أربع قصائد للويز غليك

"Tabriz Cemetery 2" by Sajed Haqshenas

اختارت روى روكز وسارة صفي الدين، من فريق التحرير في القسم العربي، أربع قصائد للشاعرة لويز غليك التي حازت على جائزة نوبل للآداب. تحوم تلك القصائد حول الغربة، غربة الآباء والأجداد وآثارها على الذاكرة، تحاكي الغياب كما يتجلّى في الموت والهجرة والعزلة، فيما تقف لويز بعيدةً، تراقب شخصيّاتها وتتماهى معها. ترجم القصائد الشاعر سامر أبو هواش في مجموعة شعرية صدرت تحت عنوان "عجلة مشتعلة تمر فوقنا" (منشورات الجمل/الكلمة، ٢٠٠٩).

 

أسطورة

 

جاء جدي إلى نيويورك من "دلوا":

وتوالت العثرات.

في هنغاريا كان أكاديمياً، صاحب امتياز.

ثم جاء الفشل: صار مهاجراً

يلفّ التبغ في مستودع بارد.

كان مثل يوسف في مصر.

يسير ليلاً في المدينة،

ويتحوّل رذاذ الميناء

دمعاً على وجهه.

دموع الحزن على "دلوا" التي هي أربعون بيتاً

وبضع أبقار ترعى المروج الوفيرة...

يقال إن الروح العظيمة 

ليست أكثر من نجمة أو شعاع،

لكنها أكثر شبهاً باللؤلؤ:

إذ ليس في العالم كله

ما هو صلب كفاية ليغيرها.

أيها الكائن التعس، أتوقفت عن الإحساس

بعظمة العالم

التي، كثقل عظيم، كوّنت

روح جدي؟

كانت أحلامه تحلق، كطيور حزينة،

من المعمل إلى "دلوا"، محضونة في مناقيرها

مثلما يرى رجل آثار خطواته

على أرض مبلّلة.

صور مبعثرة، شذرات ضبابية للقرية؛

وبينما يوضّب التبغ، كذلك في روحه

ذاك الثقل يكثّف كسرات "دلوا" ويحولها

إلى مبادئ ومجرّدات

تليق بتحدّي العبودية:

في بلد كهذا، أن تزدري

الامتياز، أن تحب المنطق والعدل،

وأن تقول

الحقيقة دوماً...

التي كانت

خلاص شعبنا

ما دام قول الحقيقة

يمنحُ وهم الحرية.

 

السلال

 

١.

كم جميل:

عجوز في السوق

تحاول اختيار خسّة جيدة،

تزنها بتجرّد

تتفحّص وريقاتها

وحتى أنها تشمها

لتتنشق عبق الأرض

التي من جهة يبقى

بعض أثرها، لا التراب

لكن الجذور، وهكذا

تفاضل بين خسة وأخرى،

لأنها طازجة أكثر: تهزّ

رأسها بسرعة لزوجة البائع،

تعلمها بقرارها،

امرأة عجوز

لكنها صارمة في أحكامها.

 

٢.

في مركز دائرة العالم

كلب على حافة نبع.

يلعب الأطفال هناك،

وفي ذهابهم إلى القرية وإيابهم منها

يقفون ويحيونه، ثم سرعان ما يفقدون

رغبتهم في اللعب،

في القرية الصغيرة ذات العيدان

المزينة بكسر من الفخار الأزرق،

يقرفصون بجانب الكلب

المقعي على الثرى الحار:

أشعة الشمس تتراقص حوله.

الآن، في الحقل البعيد،

ينتهي حدث عظيم.

في مجموعات من اثنين وثلاثة

يلوّح الرياضيون بجسارة بقمصانهم،

ويمضون باسطين قمصانهم

الحمراء والزرقاء، الزرقاء والقرمزية الفاقعة

على الأرض المسطحة،

على الأرض العادية.

 

٣.

يا الله، يا من وهبني عزلتي،

أرى الشمس تهبط:

الأكشاك خالية في السوق

وبقية الأطفال

يتعاركون عند النبع...

لكن حتى ليلاً، حين لا نرى شيئاً،

فإن جذوة الشمس

لا تزال تسخّن الأرصفة.

لهذا، على الأرض،

تنبت الحياة بوفرة،

لأن الشمس تحتفظ

بدفء ثابت على سطحها.

أيدلّ هذا إلى معنى ما:

أن اللعبة تُستأنف في الثرى،

إله النبع الصغير؛

وأن لا شيء يبقى ثابتاً،

لا ضمان ضدّ الموت...

 

٤.

أحمل سلتي إلى السوق النحاسية،

إلى حيث الحشد.

أسألك: كم من الجمال يحتمل المرء؟

إنه أثقل من الدمامة،

بل إن ثقل الفراغ

ليس شيئاً قياساً به.

أقفاص البيض، ثمر الببايا، أكياس الحامض

الأصفر...

لست امرأة قوية. لا يسهل عليّ

أن أرغب بهذه القوة،

أو أن أسير

بسلة ثقيلة كهذه،

سواء حملت فيها

القصب أم الصفصاف.

 

فانتازيا

 

سأخبركم شيئاً: كل يوم

يموت الناس. وهذه بداية وحسب.

كل يوم، في دور العزاء، تولد أرامل جديدة،

وأيتام جدد. يجلسون بأيد مطوية،

محاولين اتخاذ القرارات بشأن حياتهم الجديدة.

ثم ها هم في المقبرة، بعضهم

للمرة الأولى. يرعبهم البكاء،

وأحياناً عدم البكاء. ينحني أحدهم،

يخبرهم عن الخطوة التالية، التي قد تكون

قول بضع كلمات، أحياناً،

إهالة التراب على قبر مفتوح.

وبعد ذلك، يعود الجميع إلى الدار،

الذي يمتلئ بالناس فجأة.

الأرملة تجلس برصانة على كنبة،

ثم يقترب الناس منها،

بعضهم يمسك يدها، وبعضهم يعانقها.

تجد ما تقوله للجميع،

كأن تشكرهم على مجيئهم.

في قلبها، تتمنى أن يرحلوا جميعاً.

تريد العودة إلى المقبرة،

إلى غرفة المستشفى.

تعرف أن هذا مستحيل. لكنه أملها الوحيد،

أمنية العودة إلى الوراء، قليلاً فحسب،

ليس إلى حدّ بداية الزواج،

ليس إلى حدّ القبلة الأولى.

 

ثلج

 

نهاية ديسمبر: أنا وأبي

ذاهبين إلى نيويورك، إلى السيرك.

يضعني على كتفيه

في الريح العاتية:

قصاصات من الورق الأبيض

تطير فوق السكة الحديد.

كان أبي يحب أن يحملني هكذا،

بحيث لا يراني.

أتذكر

كنت أنظر أمامي

إلى العالم الذي يراه أبي:

كنت أتعلم كيف أستوعب فراغه،

الثلج الثقيل لا يهطل.

يحوم حولنا.

 

 

*لقد قام فريق التحرير بكلّ الجهود الممكنة للحصول على إذن من الناشر والمترجم.

Post Tags
Share Post
Written by

<p style="text-align: right;"><span style="caret-color: #555555; color: #555555; font-family: 'Open Sans'; font-size: 20px; text-align: right;">سامر أبو هواش</span></p>

No comments

LEAVE A COMMENT